البث المباشر الراديو 9090
حسام الدين الأمير
تأتي خطة الرئيس الأمريكي الموتور دونالد ترامب بشأن غزة والتي يقترح فيها، بل ويقرر تهجير الفلسطينيين بالقوة من غزة وسط صمت عالمي خانع لكل الإرادات الأمريكية وحليفتها إسرائيل، وما من صوت موجود داخل الدوائر السياسية والعالمية والشعوب والحكومات سوى الصوت المصري الرافض قطعا وبشدة لكل ممارسات التهجير بل وإسقاط الهوية.

الموقف المصري الرافض هو الموقف الثابت في المشهد، أما بقية المواقف تعلن تحفظها تارة وعدم قبولها تصريحات "ترامب" تارة أخرى، وهناك من يرى أن مقترح ترامب سينهي المشكلة في مساومة واضحة لمصالح هذه الدول مع أمريكا.

ووسط كل المقترحات والممارسات غير إنسانية التي تمت بحق الشعب الفلسطيني على مدار عشرات السنوات الماضية، وعلى مدار أخر عامين تحديدا، وعلى مدار الأسابيع القليلة الماضية منذ فوز "ترامب" بولاية الحكم في أمريكا ينسى الجميع بل ويتغافل ويتناسى الشق الحقوقي في كل الممارسات التي تتم والتي كلها ضد الإنسانية ويقف العالم أجمع موقف المتفرج من كافة هذه الممارسات التي تتنافى مع أبسط مبادئ حقوق الإنسان علما بان هذه الدول هي الموقعة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وعليها الالتزام به.

ووسط كل هذا يأتي الموقف المصري سواء الرسمي أو الحكومي أو الشعبي هو الموقف الرافض لكل الممارسات، بل إن مصر تعلن موقفها بصوت عالٍ أمام كافة الاوسط الدولية دون مواربة أو خوف من أحد لانه لا احد يملى على مصر قرارها او يعطيها تعليمات.

وخلال حالة الجدل والمواربة السياسية حول التهجير يخرج علينا التقرير السنوي 2024 الصادر منذ أيام عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان بفلسطين، والذي يرصد ملخص لأبرز انتهاكات جيش الاحتلال والمستعمرين في الأراضي الفلسطينية المحتلة خلال العام 2024.

هذا التقرير الذي كشف وبحق عوار المجتمع الدولي في تعامله مع القضية الفلسطينية وأن حكومات هذا المجتمع وشعوبه غضت البصر عن كل الممارسات التي تمت وتتم بحق القضية وشعبها وبعيدأ عن ما جاء في التقرير من أرقام صادمة ومؤشرات يندى لها الجبين على كافة المستويات في قطاع غزة لكني سأعرض فقط ما يخص الواقع الإنساني في قطاع غزة حتى تاريخه، حيث يؤكد التقرير أنه منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى نهاية ديسمبر 2024 وقطاع غزة واقعه أصبح غير صالح للحياة، حيث دمر الاحتلال كافة سبل الحياة فيه والتي بدأت بإغلاق كافة المعابر ومنع حركة النقل للبضائع والأشخاص، ووصلت الإنسانية في القطاع إلى أدنى مستوياتها حيث باتت جثث الشهداء الغزيين يتم نهشها من الكلاب الضالة، بل والأقذر من ذلك أن قوات جيش الاحتلال تمنع المواطنين من دفن ذويهم.

وتقول الأرقام، إن 91% من سكان غزة بما يعادل حوالي 1.95 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، مع توقعات بأن يصل الامر إلى مستويات كارثية من الجوع، كما أدى العدوان الاسرائيلي على القطاع الى استشهاد أكثر من 45.317 فلسطيني، 70% منهم من الأطفال والنساء حيث بلغ عدد الشهداء الأطفال حوالي 17,581 و12,048 من النساء.

وقد أدى العدوان المستمر على غزة إلى إصابة أكثر من 107,713 فلسطيني ونزوح أكثر من 2 مليون فلسطيني، كما ادعت سلطات الاحتلال أن المؤسسات الدولية الإغاثية كما حصل مع الأونروا جزء من المقاومة واتهمتهم بالإرهاب واستشهد أكثر من 203 موظفين خلال تأدية عملهم.

واستهدفت سلطات الاحتلال الكوادر الطبية وذلك لحرمان المواطنين الغزيين من العلاج، حيث بلغ عدد الشهداء في القطاع الطبي حوالي 1055 شهيدا ما بين طبيب ومهن طبية، ولمنع وصول حقيقة حرب الإبادة في غزة قتلت إسرائيل بشكل مباشر حوالي 196 صحفيا، وقصفت عائلاتهم مما أدى إلى استشهادهم، كما استشهد حوالي 87 موظفا من الدفاع المدني بقصف مباشر خلال تقديم المساعدة لمصابي حرب الإبادة وقصفت سلطات الاحتلال العديد من مدارس الإيواء والأسواق والمباني السكنية، مما أدى إلى استشهاد عائلات كاملة تم محوها من السجل المدني والأطفال والنساء، وكلها مجازر بهدف إجبارهم على الهجرة من أرضهم.

ومنذ بداية العدوان على قطاع غزة دمرت سلطات الاحتلال أكثر من 90% من المؤسسات التعليمية بل وتحولت هذه المؤسسات إلى مراكز لإيواء النازحين، وهذه الاعتداءات تتم عمدا خاصة وإذا عرفنا أن وكالة الغوث تبلغ الجانب الإسرائيلي بالإحداثيات للمدراس وطبيعتها كمراكز نزوح، إلا أن قوات الاحتلال تقصفها حيث بلغ عدد مدارس الوكالة التي تم قصفها من الجانب الإسرائيلي 65 مدرسة.

وبلغ عدد المدارس الحكومية التي دمرتها قوات الاحتلال في عدوانها 374 مدرسة، أما مؤسسات التعليم العالي فقد تم تدمير 31 مبنى جامعيا بالكامل، بالإضافة تدمير 55 مبنى جامعيا جزئيا، وبلغ عدد الشهداء في القطاع التعليمي 12.820 طالبا، و496 من المعلمين والإداريين، كما استشهد 532 من طلاب التعليم العالي و100 من العاملين في التعليم العالي.

وفيما يتعلق بالجانب الاقتصادي، أقر تقرير البنك الدولي الذي حمل عنوان "التحديث الاقتصادي الفلسطيني 2024 " أن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة دمر القطاع الاقتصادي بكافة جوانبه وبلغ حجم الخسائر الاقتصادية في القطاع منذ بداية العدوان حوالي 35 مليار دولار، وبلغت نسبة الفقر 100% ونسبة التضخم 250%، وبلغت نسبة الخسائر في القطاع الزراعي والسمكي 93% وتوقفت 82% من الشركات العاملة في القطاع عن العمل.

وقالت تقديرات منظمة الأغذية والزراعة في الأمم المتحدة، إن حرب الابادة على غزة أدت الى نفوق نحو 15 ألف رأس من الأبقار أي 95% من إجمالي الأبقار في غزة، وأن العجول قد ذبحت جميعها تقريبا وهناك خسائر فادحة في قطاع الدواجن الذي لم يتبقَ منه سوى 34 ألف طائر فقط.

وفيما يخص القطاع الصحي تعمدت سلطات الاحتلال تدميره عن طريق محاصرة المستشفيات وقصفها وهدم المراكز الصحية والعيادات والأمر بإخلائها، كما اعتدت على الكوادر الطبية ودمرت كل سيارات الإسعاف والتي بلغ عددها 139 سيارة ودمرت سيارات الدفاع المدني ومنعت وصول الوقود اللازم لتشغيلها وتشغيل الكهرباء التي تعمل على تشغيل أقسام المستشفيات وأجهزتها المنقذة للحياة.

هذا الأمر أدى إلى انهيار قدرة المؤسسات الصحية على تلبية احتياجات العدد الكبير من المصابين من القصف بسبب تدمير البنية التحتية وأصبح الحصول على العلاج والأدوية صعبا للغاية بسبب منع سلطات الاحتلال وصول الأدوية والمواد الطبية اللازمة للعلاج، وباتت هناك صعوبة في إجراء العمليات الجراحية وأصبحت الرعاية الطارئة شبه مستحيلة، حيث دمر جيش الاحتلال 34 مستشفى من أصل 35 و80% من الرعاية الصحية الأولية لا تعمل.

وبلغ عدد الشهداء في القطاع الصحي 1055 شهيدا، كما باتت النساء الحوامل والأطفال يعانون من غياب الرعاية الصحية والمتابعة، وهو ما أدى الى ارتفاع معدلات الوفيات بين الأمهات والأطفال فهناك حوالي 60 ألف سيدة حامل معرضة للخطر بسبب انعدام الرعاية الصحية في قطاع غزة، و155 ألف سيدة حامل ومرضعة تواجه صعوبة في الوصول والحصول على خدمات الرعاية قبل الولادة وبعدها، و96 % من السكان في قطاع غزة بما يعادل 2.15 مليون نسمة يواجهون مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وهناك 495 ألف شخص أي حوالي 22% من السكان يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد منهم 11 ألف امرأة حامل، وهناك 3,500 طفل معرضون للموت بسبب سوء التغذية ونقص الغذاء، هذا بخلاف استشهاد 36 طفل نتيجة المجاعة وسوء التغذية.

وما يزيد الوضع كارثية هو منهجية سياسة التجويع في قطاع غزة من خلال منع وصول المساعدات الغذائية كعقوبة ووسيلة قتل للغزيين وإجبارهم على الهجرة القسرية من شمال القطاع وهو ما كشف عنه تقرير Integrated Food Security Phase Classification الخاص بـ التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي الذي يمثل الدرجة الخامسة والأكثر خطورة حيث يعاني نصف سكان قطاع غزة من نقص كارثي في الأمن الغذائي.

ووفقا للمعيار الدولي المقبول تكون منطقة ما في حالة "مجاعة" عندما يواجه ما لا يقل عن 20% من الأسر فيها نقصا حادا في الغذاء ويعاني ما لا يقل عن 30% من الأطفال هناك من سوء التغذية الحاد، والكارثة هنا أن قطاع غزة بأكمله يعاني من المجاعة من الدرجة 4 أو 5 في مؤشر الجوع، حيث يعاني 55% من الأسر في شمال القطاع و30% من الأسر في وسطه و25% من الأسر في جنوبه من انعدام الأمن الغذائي من الدرجة الخامسة وهي الأعلى.

والكارثة الأكبر أنه متوقع خلال الأشهر المقبلة أن يتفاقم الوضع في قطاع غزة، وأن يعاني 2.2 مليون إنسان نحو 100% من سكان القطاع من انعدام الأمن الغذائي من الدرجة 3 فما فوق.

كل هذه المؤشرات الكارثية التي يعلمها المجتمع الدولي جيدا تأتي مخالفة للمواثيق والعهود الدولية لحقوق الانسان، ويغض عنها البصر الموتور "ترامب" بل وتتجاهلها كافة الدول المؤيدة لما يفعله جيش الاحتلال في فلسطين ويرفضها بشكل قاطع الدور المصري بكافة أركانه، وبات هنا الأمر متروكا لضمير المجتمع الدولي الذي لن يصحو إلا بعد فوات الأوان وبعد أن يكون هو نفسه هذا المجتمع جزءا من مخطط التوسع الاستعماري الاستيطاني لأمريكا وإسرائيل.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز