البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود‎
حينما قامت حركة المقاومة الفلسطينية بهجوم 7 أكتوبر على الكيان الصهيوني، جاءت ردود الفعل مختلفة؛ إذ نظر عديد من بلدان العالم إلى ذلك، باعتباره هجومًا ما كان يجب أن يحدث، وذهب أيضًا بعض الخبراء في منظقة الشرق الأوسط إلى أن ذلك من شأنه أن يقوِّض فرص السلام، وأن المقاومة الفلسطينية تسببت "برعونتها" في إيقاظ الآلة العسكرية الصهيونية، وأنها بذلك تسببت في سقوط مئات الآلاف من الضحايا بلا سبب.

والحقيقة أن ذلك غير صحيح على الإطلاق، وأن مجرد الاطلاع على تقارير أممية، سيكشف لهؤلاء، أن أهالي غزة كانوا قبل ذلك - بل وما زالوا - يعيشون في جحيم؛ إذ نشرت مثلا منظمة المرصد الأورومتوسطي؛ وهي منظمة مستقلة مقرها جنيف، أن الكيان الصهيوني بدأ بفرض الحصار على قطاع غزة، عقب فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية في يناير من عام 2006م.

ثم أعلن الكيان الصهيوني قطاع غزة "كيانًا معاديًا" بعد سيطرة حركة حماس عسكريًا على القطاع في يونيو 2007م، وشدد الكيان من قبضته وفرض أيضًا، عقوبات إضافية مسّت على نحو مباشر الحقوق الأساسية للسكان، وشمل ذلك فرض قيود مشددة على دخول الوقود والبضائع وحركة الأفراد من وإلى القطاع.

نشر أيضًا، مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية في عام 2008 تقريرًا جاء فيه أن عدد سكان قطاع غزة كان قبل النكبة عام 1948م 75 ألفًا وبعد النكبة حتى 1949م وصل عددهم 288 ألفًا، ويعد الآن 70% من سكانه هم من لاجئي الـ 48 توزعوا في 8 مخيمات.

وفي حرب يونيو 1967 وخلال بضعة أيام احتل الكيان الصهيوني باقي فلسطين - 23% ممن تبقى من أرض فلسطين التاريخية - فسقطت الضفة الغربية بما فيها شرقي القدس، وقطاع غزة، وسيطر اليهود على 43% وأقاموا 19 مستوطنة منها الاستيطانية المدنية، ومنها الزراعية ومنها الصناعية، ومنها العسكرية، ومنها نقاط المراقبة، وتوزعت على كل 20 كم2 في المتوسط، وكان عدد المستوطنين المغتصبين للأراضي في غزة يترواح ما بين 3800 إلى 8000 مستوطن، وكان يحمي المستوطنات ما يقرب من 30 ألف إلى 35 ألف جندي يهودي.

عمل الكيان الصهيوني أيضًا - وعلى مر السنين - على ترسيخ سياسة عزل قطاع غزة، من خلال فصله عن الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، والقدس الشرقية، إلى جانب التحكم في كمية ونوعية البضائع والمواد التي تدخل إلى القطاع وحظر المئات منها، ما تسبب بركود اقتصادي شامل في القطاع، وارتفاع حاد في معدلات الفقر والبطالة.

وعلاوة على ذلك، أثر الحصار الإسرائيلي على نحو خاص على القطاع الصحي في غزة؛ إذ لم تتوفر كثير من الأصناف واللوازم الطبية الأساسية، وأضطر كثير من المرضى للانتظار لأشهر لإجراء العمليات الجراحية.

وخلال سنوات الحصار، شنّت إسرائيل هجمات عسكرية مدمّرة على القطاع، أسفرت عن مقتل آلاف المدنيين وتدمير عشرات الآلاف من المنازل والمنشآت المدنية، وأحدثت دمارًا واسعًا في مرافق البنى التحتية، ومع ذلك ظل سكان غزة يتمتعون بروح قوية وإصرار على الصمود ومواجهة الصعاب، وتمسكوا بالأمل في السلام، وتطلعوا إلى تحقيق السلام العادل والشامل، الذي يضمن لهم حقوقهم المشروعة في الحياة الكريمة والعيش بأمان وسلام.

يتطلع سكان غزة حتى اليوم - وعلى الرغم من العدوان الصهيوني الذي دمر بلادهم تمامًا - إلى تحقيق هذا السلام، لكن الكيان الصهيوني، الذي أفرط في عدوانه ووحشيته، ودمر البنية التحتية بالكامل، واستهدف الأطفال والنساء، ليضمن القضاء الكامل على مستقبل الشعب الفلسطيني، في تطهير عرقي واضح لا تخطؤه العين - ما زال يسعى إلى محاولة تهجير سكان غزة إلى الدول المجاورة.

تسعى الولايات المتحدة اليوم أيضًا، إلى الاستيلاء على غزة، في تبجُّح واضح، واعتداء صريح على السيادة الفلسطينية، مستخدمة سلطة القوة، بلا رادع أو وازع من ضمير، لاستكمال خطة الكيان الصهيوني، في إخلاء القطاع تمامًا، ليس فقط لتوسعة رقعة الأراضي المحتلة، لبناء المستوطنات، ولكن للاستيلاء على ثروات الفلسطينيين أيضًا من الغاز والمعادن التي تحتويها أراضيهم.

لقد جاء إعلان الرئيس الأمريكي بشأن الاستيلاء على أراضي غزة واضحًا، ليشير إلى أن ما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية، هو عودة صريحة إلى ما قامت عليه الدولة الأمريكية، من الاستيلاء على أراضي السكان الأصليين، وتطهير الأراضي الأمريكية عرقيًا، وذبح سكانها الأصليين بلا رحمة أو هوادة، ووضع من يتبقى منهم في محميات طبيعية، وكأنها متاحف، وكأنهم ليسوا بشرًا مثلنا، يستحقون حياة طبيعية حرة على أراضيهم.

من المهم أن ندرك أن توجهات الرئيس الأمريكي، يمكن أن تجر العالم إلى نزاعات خطيرة؛ فالأمر لا يتعلق بالاستيلاء على غزة وحدها، فهذا الرجل - الذي يبدو أنه لم يتلق تعليمًا كافيًا وتنقصه الثقافة عن الحضارات البشرية - قد يسعى إلى إشعال العالم كله في حروب لا تنتهي؛ إذ إنه سعى بمجرد توليه السلطة إلى انتهاج سلوك وإجراءات أقل ما يقال عنها، إنها "مستفزة" تجاه الدول المجاورة للولايات المتحدة؛ مثل كندا والمكسيك وبنما.

وبدا واضحًا أن رؤيته للسياسة الأمريكية، هي أنها "تجارة" تتعلق بالقوة والنفوذ، مما قد يجعله يفكر في استغلال القوة الأمريكية، لاجتياح العالم، وأنه في حاجة إلى أن يتم ردعه، وتثقيفه أيضًا، وتعليمه عن تاريخ البشر والدول وآثار الحروب.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز