البث المباشر الراديو 9090
محمود الروبي
في قلب التاريخ، تظل لحظات قليلة محفورة بمداد الفخر والعزة، ويأتي نصر العاشر من رمضان في أكتوبر 1973 كأحد أعظمها، يومٌ استعاد فيه المصريون كرامتهم وأعادوا للوطن مجده المسلوب، يومٌ تحطمت فيه أسطورة "الجيش الذي لا يُقهر" تحت أقدام جنود مصر الأبطال، فكتبوا بدمائهم ملحمةً لا تزال تضيء لنا الطريق.

لم يكن العبور مجرد اجتياز مانع مائي أو تحطيم خط دفاعي حصين، بل كان عبورًا إلى إلى الكبرياء و إلى لحظة استثنائية أدرك فيها العالم أن مصر لا تُؤخذ غدرًا، ولا يُفرض عليها واقعاً لا ترضاه ابداً.

القرار قرارنا.. والأرض أرضنا

كانت حرب أكتوبر تجسيدًا حقيقيًا لمعنى "يد تبني ويد تحمل السلاح"، فحينما استُنزفت كل وسائل الحلول السلمية، لم يكن أمام مصر سوى أن تستعيد حقها بدماء أبنائها، فأتى القرار الحاسم، وصدح الرئيس السادات بما قاله الرئيس عبد الناصر: "ما أُخذ بالقوة، لا يُسترد بغير القوة".

ومن هنا، بدأت أقدام الرجال تخطو بثبات نحو الضفة الشرقية للقناة، بينما الدبابات تشقُّ طريقها وسط الحصون التي ظن العدو أنها منيعة، ومن فوقهم طيران لا يبالي، فانكسرت أمام عزيمة المصريين.

حطمنا الأسلاك الشائكة، أزلنا الساتر الترابي، أغرقنا قلوب الأعداء بالرعب قبل أن نُغرق تحصيناتهم في دمائهم. عبرنا فحطَّمنا غطرستهم، قاتلنا فزلزلنا جبروتهم، رفعنا علم مصر عاليًا، ليشهد العالم كله أن هذه الأرض لنا، وأن شمس الحرية لا تحجبها قوة غاشمة.

"اللي قدر يعملها مرة، قادر يعملها كل مرة"

قالها الرئيس السيسي في احتفالات حرب أكتوبر، إن هذه الحرب، رغم فروق القدرات وقتها، حققت فيها مصر نصرًا عظيمًا، وهذه رسالة تتخطى الحرب، فهي رسالة إلى كل من تسوِّل له نفسه الاعتداء على أرض مصر أو إرادتها أو تهديد أمنها القومي في الداخل أو الخارج. وهذه الرسالة كتبتها دماء الشهداء، وأكدها قائدها الرئيس السيسي: "اللي يقرب من مصر هشيله من على وش الأرض". واليوم، وبعد عقودٍ من النصر، لا تزال عقيدة القوات المسلحة المصرية راسخة، لا تزال تلك الروح القتالية حاضرة، ولا يزال لسان حال المصريين يردد كلمات قائدهم: "من يقترب من حدودنا، فحياته مرهونة بثوانٍ.. وسنرد الصاع صاعين".

وإن كان المصريون قد سطروا نصر أكتوبر بدمائهم وإيمانهم، فإن رسالتهم اليوم أوضح من أي وقت مضى: "اللي قدر يعملها مرة، قادر يعملها كل مرة". فالقوة لم تكن يومًا خيارًا لمصر، بل كانت ضرورة عندما يفرضها الواقع، وإذا اعتقد أحد أن مصر قد تهاونت يومًا في الدفاع عن أرضها، فإن التاريخ يشهد أنها حين تنهض، تُغير وجه المعادلات كلها.

"تحيا مصر".. نصرٌ يتجدد في كل جيل

وكما وقف المصريون يوم السادس من أكتوبر على قلب رجلٍ واحد، فإنهم اليوم يقفون بنفس العزيمة، بنفس الإرادة، بنفس الإيمان بوطنهم، مدركين أن التاريخ قد يُعيد نفسه إذا لزم الأمر، وأن "مسافة السكة" ليست شعارًا، بل وعدًا لا يُخلف، وعهدًا لا يُنقض.

ستظل حرب أكتوبر ملحمةً يُحكى عنها، وستظل دماء الشهداء أمانةً نحملها، وستظل مصر كما كانت دائمًا.. "عصيةً على الانكسار، منيعةً على الأعداء، وقويةً بأبنائها الذين لا يعرفون سوى النصر".

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز