عائشة غنيمى
فالتعددية الحزبية هي أحد آليات التنمية السياسية، وتتحقق التعددية الحزبية بوجود أحزاب ببرامج وإيديولوجيات مختلفة، تتنافس فيما بينها تنافسًا إيجابيًا لصالح استقرار الوطن والمجتمع، باختلاف آراء مبتكرة وليس الاختلاف من أجل الاختلاف بل الاختلاف من أجل الابتكار والإبداع بما يسهم في تحقيق المشاركة السياسية الإيجابية في صنع القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
جدير بالذكر، أن التعددية الحزبية الفعَّالة تتحقق بجودة أداء الأحزاب السياسية في تحقيق التقدم السياسي والاجتماعي والاقتصادي للوطن.
فالحزب السياسي هو القناة الشرعية التي تمكن من ممارسة العمل السياسي والمشاركة في صنع القرار السياسي، إذ يعرف " الحزب السياسي" وفقًا للمادة (2) من قانون نظام الأحزاب السياسية رقم (40) لسنة 1977 وتعديلاته كما يلي: "يقصد بالحزب السياسي كل جماعة منظمة تؤسَّس طبقًا لأحكام هذا القانون، وتقوم على مبادئ وأهداف مشتركة وتعمل بالوسائل السياسية الديمقراطية لتحقيق برامج محددة تتعلق بالشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة، وذلك عن طريق المشاركة في مسئوليات الحكم".
وتعمل هذه الأحزاب باعتبارها تنظيمات وطنية، وشعبية وديمقراطية على تجميع المواطنين وتمثيلهم سياسيًا؛ إذ تتوافق مبادئ وأهداف وبرامج وسياسات وأساليب ممارسة النشاط السياسي مع المبادئ الأساسية للدستور المصري ومُقتضيات حماية الأمن القومي المصري والحفاظ على الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي والنظام الديمقراطي .
وتجدر الإشارة إلى أن الحزب السياسي الفاعل يتعين أن يعكس اسمه، وشعاره رسالة وهدفًا ومبادئ واضحة، وليس تحويل اسم الحزب إلى صفة أو فعل ومن ثمَّ عكس شعار غير واقعي، أو غاية بديهية أو غير مُدركة، الأمر الذي قد يفسد المناخ السياسي وقد يحد من مُقدرات التنمية السياسية ومكانتها محليًا، وإقليميًا، ودوليًا، لذا ايلعب سم الحزب السياسي دورًا أساسيًا في تواجده واستمراريته وتحقيق المصداقية والشعبية.
والمقصود بالحوكمة الرشيدة، "Good Governance"؛ هو نظام يستهدف رفع مستوى الأداء والجودة في الإدارة والتنظيم، وذلك من خلال مجموعة من السياسات والقواعد التي تضمن تحقيق الأهداف المطلوبة طويلة المدى والاعتماد على أفضل السُبل وصولًا للتميز.
وتهدف الحوكمة الرشيدة إلى وضع قواعد ومبادئ للإدارة والرقابة؛ حيث وضع قواعد واضحة للإدارة وتعزيز آليات الرقابة التي تضمن الامتثال للأنظمة والقوانين.
وعليه، يتم تحسين كفاءة الأداء، وتعزيز الاستدامة على المدى الطويل، وهذا إلى جانب تعزيز العدالة والشفافية والمساءلة حيث خلق بيئة عمل قائمة على النزاهة من خلال فرض الإفصاح المالي، والإداري الدقيق.
تكمن أهمية ضمان حوكمة التعددية الحزبية في إعلاء المصلحة الوطنية، والحفاظ على مقدرات الأمن القومي.. وجاء قانون نظام الأحزاب السياسية رقم (40) لسنة 1977 وتعديلاته؛ ليعزز من حوكمة الإطار المؤسسي والتشريعي لإنشاء وتكوين الأحزاب السياسية وعملها وتنظيمها من حيث ضمان الشفافية والمحاسبة والمساءلة من خلال وضع آليات تتمثل في العقوبات الجنائية المشددة في حالة مخالفة أحكام القانون.
وتعزيز الرقابة المالية من خلال الجهاز المركزي للمحاسبات، فضلًا عن وضع المعايير، والاشتراطات التي يجب تواجدها في أعضاء الحزب من القيادات في مواقع تنظيمية ومواقع غير التنظيمية بما يضمن تكافؤ الفرص ويحقق مبادئ الدستور المصري مع تأكيد شرط الجنسية المصرية كشرط أساسي، فضلًا عن جميع الإجراءات التنظيمية والمؤسسية.
الأمر الذي يعزز من حماية الأمن القومي المصري، والاستقرار الاجتماعي، والسياسي، والاجتماعي، ويحول دون اختراق النسيج المجتمعي ومحاولات تغيير الأيديولوجية والهوية والثوابت الوطنية، حيث تسهم الأحزاب السياسية في تحقيق التقدم السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي للوطن على أساس الوحدة الوطنية وتحالف قوى الشعب وتعزيز السلام الاجتماعي وتوطيد الديمقراطية، وذلك كله على الوجه المبُين في الدستور المصري.
ويضمن قانون نظام الأحزاب السياسية الحوكمة الرشيدة للتعددية السياسية حيث يتضمن أبرز الاشتراطات والعقوبات الجنائية التي تضمن الرقابة والمساءلة، والمحاسبة والتي تتمثل فيما يلي:
أولًا: اشتمل القانون على كل ما يخص الأحزاب السياسية، واشترط عددًا من الأمور التي يجب استيفاؤها للسماح بتأسيس الحزب في المادة (4)؛ وهي كالتالي:
- أن يكون للحزب اسم لا يماثل، أو يشابه اسم حزب قائم.
- عدم تعارض مبادئ الحزب، أو أهدافه أو برامجه أو سياساته أو أساليبه في ممارسة نشاطه مع الدستور أو مقتضيات الحفاظ على الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي والنظام الديمقراطي.
- عدم قيام الحزب في مبادئه أو برامجه أو في مباشرة نشاطه أو في اختيار قياداته أو أعضائه على أساس ديني أو طبقي أو طائفي أو فئوي أو جغرافي أو إلى استغلال المشاعر الدينية أو التفرقة؛ بسبب الجنس أو الأصل أو العقيدة.
- عدم انطواء وسائل الحزب على إقامة أي نوع من التشكيلات العسكرية أو شبه العسكرية.
- عدم قيام الحزب كفرع لحزب أو تنظيم سياسي أجنبي.
- علانية مبادئ وأهداف وبرامج ونظام وتنظيمات وسياسات ووسائل وأساليب مباشرة نشاط الحزب وعلانية تشكيلاته وقياداته وعضويته ووسائل ومصادر تمويله.
ثانيًا: أبرز العقوبات المذكورة في القانون:
- يعاقب بالسجن كل من أنشأ أو أسس أو نظم أو أدار أو مول على أية صورة على خلاف أحكام هذا القانون تنظيما حزبيا غير مشروع ولو كان مستترا تحت أي ستار ديني أو في وصف جمعية أو هيئة أو منظمة أو جماعة. وتكون العقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة إذا كان التنظيم الحزبي غير المشروع معاديًا لنظام المجتمع أو ذا طابع عسكري أو شبه عسكري أو أخذ طابع التدريبات العنيفة التي تهدف إلى الإعداد القتالي، أو إذا ارتكبت الجريمة بناء على تخابر مع دولة أجنبية. وتكون العقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة إذا ارتكبت الجريمة بناء على تخابر مع دولة معادية.
- يعاقب بالحبس كل مسؤول في حزب سياسي أو أي من أعضائه من العاملين به قبل أو تسلم مباشرة أو بالوساطة مالا أو حصل على ميزة أو منفعة بدون وجه حق من شخص اعتباري مصري لممارسة أي نشاط يتعلق بالحزب، وتكون العقوبة السجن إذا كان المال أو الميزة أو المنفعة من أجنبي أو من أية جهة أجنبية.
على هدى ما تقدم، تكمن أهمية العمل السياسي في الدور المحوري الذي يمكن من التنمية الديمقراطية الإيجابية النابعة من فكر وطني متزن بناء لصالح استقرار الوطن والمجتمع، إذ يتعين أن يتميز الساسة بسمات شخصية متميزة ومهارات الدبلوماسية السياسية تمكنهم من ممارسة العمل السياسي، حيث التحلي بالدبلوماسية والكاريزما مع حسن السمعة وسير السلوك وثبات المواقف السياسية دون تلون يتغير بتغير المصالح الخاصة.
فضلًا عن ضرورة توافر مهارات وقدرات الحدث والفهم والتحليل الموضوعي متعدد الأبعاد للمواقف والأحداث السياسية محليا وإقليميًا ودوليا، مع وضع تقدير موقف استباقي لكل خطوة وكل قرار وكل تصريح، احترامًا للكلمة والوفاء بالوعود السياسية لضمان المصداقية والشفافية، فالسياسي الكفء هو من يجعل أقوالة تتحقق في أفعالة على أرض الواقع ومواقفه تتحلى بالمصداقية دون استخدام العمل السياسي كأداة للمظاهر والوجه الاجتماعية وتحقيق المصالح الخاصة فقط دون تحقيق قيمة مضافة حقيقية للوطن والمجتمع.
وتجدر الإشارة إن الإعلام هو أحد أدوات الاتصال السياسي الهامة التي يتم استخدامها في تسليط الضوء على الإنجازات والقيمة المضافة للأنشطة السياسية في تنمية الدولة والمجتمع وتحقيق الأهداف الاستراتيجية للدولة بالتزامن مع إعلاء المصلحة الوطنية والحفاظ على الأمن القومي.
أخيرًا، وليس أخرًا، إن العمل السياسي ليس مجرد عملًا عامًا؛ بل هو مسئولية وطنية ومُجتمعية تسهم في تنمية الدولة وازدهارها وتعزيز ترابط الشعب وتوطيد جذور الهوية الوطنية من خلال تعزيز التنافس الإيجابي و خلق حراك مُثمر نابع من الأنشطة السياسية والنقد البناء وتبادل الآراء المُنبثقة من ساسة على درجة عالية من الحس الوطني والثقافة والفكر المتزن القائم على المنطق والموضوعية دون الحيادية الهدامة، مع الحفاظ على معايير المصداقية والأمانة والنزاهة لدرء استخدام العلم والنظريات والأيدولوجيات في تشكيل أفكار هدامة والتلاعب بأفكار من هم أقل خبره ومعرفة.