ولاء عزيز
وبينما يئن المدنيون تحت وطأة القصف والحصار، تكتفي القوى الدولية بإصدار بيانات الإدانة التي سرعان ما تُنسى في زحمة الأحداث السياسية. اليوم، ومع تجدد العدوان على غزة، تُطرح الأسئلة ذاتها: هل تكفي الإدانات الدولية لحماية الأبرياء؟ ولماذا تبقى التحركات الدبلوماسية عاجزة عن وقف المجازر المستمرة؟
تصعيد جديد… وأزمة إنسانية تتفاقم
في كل مواجهة عسكرية، تتحول غزة إلى ساحة حرب غير متكافئة، حيث تتعرض البنية التحتية لهجمات عنيفة، وتنهار المنازل فوق رؤوس ساكنيها، بينما يواجه السكان نقصًا حادًا في المياه، والغذاء، والكهرباء، والرعاية الصحية. ومع ذلك، يبدو أن المجتمع الدولي لا يزال عاجزًا عن اتخاذ أي خطوة حاسمة لوقف هذه الدائرة المفرغة من العنف.
وزير خارجية النرويج، إسبن بارث، وصف الوضع في غزة بأنه "كابوس"، وهي عبارة تلخص معاناة مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين يعيشون تحت القصف وفي المقابل، دعا وزير الخارجية البلجيكي برنارد كوينتين إلى وقف الغارات الإسرائيلية، محذرًا من أن استمرار الهجمات يهدد بنسف أي جهود للتهدئة. أما وزيرة الخارجية الأسترالية بيني وونغ، فقد شددت على ضرورة حماية المدنيين، مؤكدة أن "الفلسطينيين لا يجب أن يدفعوا ثمن هزيمة حماس"، في إشارة واضحة إلى أن المدنيين يُستخدمون كأدوات في صراع سياسي أوسع.
وفي موقف مماثل، دعت الصين إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لمنع "كارثة إنسانية" في غزة، حيث أكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، ماو نينغ، أن بكين تشعر بقلق بالغ إزاء التصعيد، مطالبة جميع الأطراف بتجنب أي خطوة من شأنها تأجيج الصراع. لكن هل لهذه البيانات أي تأثير فعلي على الأرض؟
الإدانات الدولية: هل هي مجرد غطاء للعجز؟
لطالما كانت الإدانات الدولية سلاحًا سياسيًا يُستخدم عند الضرورة لامتصاص الغضب الشعبي، لكنها نادرًا ما تُترجم إلى خطوات عملية توقف العدوان، إذ لم يسبق أن أفضت هذه الإدانات إلى قرارات ملزمة تمنع استمرار العنف، أو تضع حدًا للاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على قطاع غزة.
بل على العكس، نجد أن الدول الكبرى، التي تتباكى على الوضع الإنساني في غزة، هي نفسها التي تمد إسرائيل بالدعم السياسي والعسكري الذي يمكنها من الاستمرار في سياساتها العدوانية.
كيف يمكن لواشنطن، التي تكرر الحديث عن "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، أن تكون وسيطًا نزيهًا في أي جهود سلام؟ وكيف يمكن للاتحاد الأوروبي، الذي يدعو إلى التهدئة، أن يستمر في توقيع اتفاقيات تجارية مع تل أبيب بينما تستمر الأخيرة في انتهاك القانون الدولي؟
هذا النفاق السياسي ليس جديدًا، لكنه أصبح أكثر وضوحًا مع تزايد الوعي العالمي بالقضية الفلسطينية، حيث بدأت الشعوب تدرك أن الإدانات الرسمية ليست سوى جزء من لعبة سياسية لا تستهدف حماية الفلسطينيين بقدر ما تهدف إلى تجميل صورة الدول أمام الرأي العام.
ازدواجية المعايير: لماذا يُعامل الفلسطينيون كاستثناء؟
عند اندلاع الحرب في أوكرانيا، تحركت الدول الغربية بسرعة غير مسبوقة لفرض عقوبات على روسيا، ودعمت كييف عسكريًا وسياسيًا، بل ووصفت ما يجري هناك بأنه "جريمة ضد الإنسانية"، لكن عندما يتعلق الأمر بغزة، نجد أن نفس هذه الدول تتحدث بعبارات عامة عن "ضرورة ضبط النفس" و"القلق من تدهور الأوضاع”، دون أن تتخذ أي إجراء فعلي ضد إسرائيل.
لماذا يتم التعامل مع الفلسطينيين كاستثناء؟ لماذا لا تُفرض عقوبات على إسرائيل رغم سجلها الحافل بجرائم الحرب؟ لماذا لا يتم إرسال لجان تحقيق مستقلة إلى غزة لتوثيق الانتهاكات كما يحدث في أماكن أخرى من العالم؟ هذه الأسئلة تكشف حجم التناقضات في السياسة الدولية، حيث يبدو أن القانون الدولي يُطبق فقط عندما يخدم مصالح القوى الكبرى، بينما يتم تجاهله بالكامل عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين.
ما المطلوب؟
الإدانات وحدها لم ولن توقف العنف في غزة، والمطلوب هو تحرك دولي حقيقي لفرض وقف دائم لإطلاق النار، ومحاسبة إسرائيل على انتهاكاتها بحق المدنيين، ورفع الحصار المفروض على القطاع منذ سنوات.
على الدول العربية أن تتجاوز بيانات الشجب والاستنكار، وأن تستخدم أوراق الضغط السياسية والاقتصادية لإجبار المجتمع الدولي على التحرك. كما يجب على الشعوب حول العالم أن تستمر في الضغط على حكوماتها لوقف الدعم غير المشروط لإسرائيل، وتكثيف حملات المقاطعة التي أثبتت فعاليتها في كشف الوجه الحقيقي للاحتلال.
أما إذا استمر التعامل مع غزة على أنها مجرد “أزمة إنسانية” تُحل بالإغاثة والمساعدات، دون الاعتراف بأنها قضية سياسية تحتاج إلى حل جذري، فإننا سنبقى ندور في نفس الحلقة المفرغة: تصعيد، إدانات، تهدئة مؤقتة، ثم عودة للقتال، دون أي أمل في تغيير حقيقي.
لقد حان الوقت لأن يدرك العالم أن الدم الفلسطيني ليس أرخص من غيره، وأن الصمت الدولي ليس مجرد موقف سياسي، بل هو تواطؤ مباشر في استمرار هذه المأساة.