البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود
قرأت بالأمس خبرًا يفيد قيام آلاف المتظاهرين في العاصمة الإسبانية مدريد بالتظاهر منددين بالإبادة الجماعية التي تحدث في غزة، حيث ذكرت وسائل إعلام إسبانية بأن آلاف المتظاهرين تجمعوا في ميدان "كاياو"، مساء الأربعاء، استجابة لدعوات بعض منظمات المجتمع المدني المتضامنة مع الشعب الفلسطيني، لتنظيم مظاهرة مناهضة للكيان الصهيوني، وجرت التظاهرة بدعم من حزب "بوديموس" المعارض، بعنوان "لن نعتاد على وحشية الصهاينة" و"نرفض الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني".

والحقيقة أنني في البداية قرأت عنوان الخبر كالتالي آلاف المتظاهرين في العاصمة "الإنسانية" مدريد ينددون بالإبادة الجماعية بغزة، والحقيقة أيضًا أن ذلك الخطأ في القراءة، كان سببه أنني لم أرتد نظارات القراءة عند النظر إلى شاشة الهاتف المحمول، وأن هذا الخطأ الذي كان سببه معاناتي من "الإستجماتزم"، كثيرًا ما يتسبب في أن أخطئ في بعض الحروف خاصة المنقوطة منها.


فكرت قليلًا في الأمر، وهل أنه يمكن إعتبار ذلك مجرد خطأ في القراءة؟ أم أنه من الممكن أن يتم اعتبار ذلك خطأ من العقل الباطن أساسًا؟ والذي أصبح ينظر إلى العاصمة الإسبانية وكل من عاصمة النرويج وأيرلندا على أنهم أيضًا عواصم إنسانية، لأنهم كانوا أولى العواصم الغربية، التي نددت بالتصرفات الوحشية الصهيونية، والإبادة الجماعية، التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني منذ عقود، وصدور قرارهم الشجاع بالاعتراف بالدولة الفلسطينية.


إذ اعترفت كل من إسبانيا وأيرلندا والنرويج رسميا بدولة فلسطين حسبما أعلنت حكومات البلدان الثلاثة، وجاء الإعلان الرسمي الإسباني خلال اجتماع الحكومة، صباح الثلاثاء28 مايو 2024عام، حيث قال الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، من أمام مقر رئاسة الوزراء في مدريد قبل الاجتماع، في خطاب متلفز: "هذا قرار تاريخي له هدف وحيد، وهو مساعدة الإسرائيليين والفلسطينيين على تحقيق السلام".


والحقيقة أنه رغم أن هذا القرار هو قرار رمزي، لم يؤثر كثيرًا في اتجاهات الولايات المتحدة الأمريكية تجاه فلسطين، واستمرارها في الدعم الغير مشروط للاحتلال الصهيوني، بل والإصرار على معارضة خطة الإعمار المصرية، والاصرار أيضًا على دعم تهجير الشعب الفلسطيني من أراضيه، فيما يوصف بأنه سلوك "معادي" للفلسطينين، على غرار المعاداة للسامية، وبحيث يصبح من الممكن وصفه بالسلوك "اللاإنساني" أيضًا، ما يجعل العواصم الثلاث تستحق أن يطلق عليها "العواصم الإنسانية" في مواجهة هذا السلوك اللاإنساني.


هذا الشعور بالكراهية الذي يطلقه تصرفات الكيان الصهيوني، ويؤيده ويدعمه التوجه الأمريكي، يضع العالم، أمام حقبة تعيد للأذهان ذكريات معاناة أوروبا نفسها من تداعيات الحرب العالمية الثانية، والتي جرت فيها ممارسات لا إنسانية كثيرة أيضًا، والغريب أن الولايات المتحد وقتها اتخذت قرارًا تاريخيًا بالدفاع عن أوروبا الغربية ضد النازية، والذي جعلها تصبح الدولة الأولى عالميأ في الدفاع عن حقوق الإنسان من وقتها.


لكن على الرغم من ذلك، يبدو الآن أن الصراعات السياسية، والاقتصادية أيضًا، صنعت ولايات متحدة أخرى جديدة، ولايات متحدة لا تلقي بالًا لمفهوم الإنسانية، إذ أصبح المال والاقتصاد هو المهم لدى الحكومات الأمريكية، خاصة حين يتعلق الأمر بمنطقة الشرق الأوسط، والكيان الصهيوني، فالمهم الآن لدى الرئيس الأمريكي، هو كم ستجني الولايات المنحدة من العرب نظير تدخلها في الشرق الأوسط، لكن الطريف أيضًا أن ذلك لا يجب أن يمس موقف الولايات المتحدة الأمريكية، الداعم والثابت من الكيان الصهيوني واستقراره واتساعه أيضًا على حساب السكان الأصليين أصحاب الأرض.


ما يدفع لهذا الاعتقاد أيضًا، قيام الرئيس الأمريكي في 4 فبراير الماضي، بإيقاف جميع برامج المساعدات الخارجية الأمريكية تقريبا في انتظار مراجعة مدتها 90 يوما ، حيث صرح مسؤول في صندوق الأمم المتحدة للسكان إن الصندوق علق الخدمات الممولة بمنح أمريكية والتي توفر شريان حياة للنساء والفتيات في الأزمات بعد قرار الإدارة الأمريكية.


هذه التمويلات الأمريكية للمنظمات الأممية العاملة على مساعدة المتضررين من النزاعات المسلحة في العالم، هو موضوع يستحق التحليل أيضًا، إذ أنه على الرغم من ضعف الدور الأممي للأمم المتحدة أيضًا، والتي فشلت كثيرًا جدًا، في إجبار الكيان الصهيوني على الإلتزام بقرارات مجلس الأمن، في مناسبات عديدة، إلا أنها كانت تشكل على الأقل "ديكورًا" يسهم في خفض التوترات أحيانًا، والأهم أن هذه المنظمات تقدم مساعدة حتى ولو "ضئيلة" للمتضررين من تلك النزاعات وتساعدهم على البقاء أحياء في أحيان كثيرة أخرى أيضًا.


ما فعله الرئيس الأمريكي من وقف لهذه التمويلات، يشير إلى حقيقة مخيفة، وهو أن العالم، يتجه إلى حقبة، تعتبر الإنسانية رفاهية لا تستحق الاهتمام، وأن البقاء يجب أن يكون للأقوى، والأغنى، بل والأكثر شراسة ووحشية أيضًا، وهو أمر مخيف، ينبغي أن تتوقف الحكومات في جميع أنحاء العالم عنده، وأن تتساءل، إلى أي مدى ينبغي أن يفقد الإنسان إنسانيته، ليدرك العالم أننا كبشر، نسير نحو هاوية مفزعة، لا نجاة منها.


أتمنى أن يعيد الرئيس الأمريكي النظر في رؤيته للعالم، والإنسانية، وأن يجد الكيان الصهيوني من يردعه عن وحشيته، وجرائمه تجاه الإنسانية أيضًا، وأن يتوقف الساسة في العالم قليلًا ليبحثوا معنى الإنسانية الحقيقي، بعيدًا عن العنصرية والثروة، وأن يدرك الجميع أن ما يحدث في العالم من وحشية، هو السبب الحقيق لانتشار التطرف، والجريمة، وأن الإنسانية ليست أن نتشدق بالبيانات والقرارات الرمزية تلك التي قد لا نجد طائلا منها في حماية الضحايا في كل مكان، أولئك الذين يتم استهدافهم من أجل التوسع والمال بلا خجل وبلا إنسانية أيضًا.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً