البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود‎
فكرت كثيرًا بعد أن شاهدت مقطع من مقابلة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تحدث فيها عن أن الإسلام يكره "الأمريكان" هكذا قالها، أعتقد أن الإسلام يكرهنا.. والحقيقة انني فكرت كثيرًا في هذا الأمر، وتساءلت كيف يشعر زعماء العالم من أمثال ترامب وهل يشعرون بالسعادة حقًا؟! وما هو شعورهم بإحساسهم بمسؤوليتهم عن كل هذا الدمار الذي يعتمد على دعمهم لسياسات التطهير العرقي، والإبادة الجماعية في العديد من المناطق من العالم؟!

هذه التساؤلات قادتني إلى مجموعة أخرى من التساؤلات حول مدى الإزدواجية في قياس القيم، تبعًا للعرق، أو الدين مثلا.. فما الذي يجعل من المقاومة ضد مستعمر في منطقة ما إرهابًا بسبب استهداف هذا المستعمر وقواته المسلحة؟! بينما يصبح قتل المستعمر لأبناء الشعوب المستعمرة، حتى وان كانوا من المدنيين من النساء و الأطفال، أخلاقيًا في إطار الدفاع عن النفس مثلًا؟ّ وما الفارق التشريحي التكويني، بين المواطن الأسيوي، والأفريقي، والعربي، والأوروبي والأمريكي الشمالي، بل والأمريكي الجنوبي أيضًا؟ّ! مما يجعل من المقبول استهداف البعض، وتجريم استهداف الآخرين مثلا؟! وهل المواطن الأسترالي هو مواطن يختلف تشريحيًا وسيكولوجيًا، عن كل هؤلاء المواطنين من تلك الشعوب والعرقيات المختلفة؟!

والسؤال الأهم، لماذا اعتبر الغرب أن النازي آدولف هتلر سفاح لا أخلاقي، لأنه قتل وأباد مئات الآلاف من الأوروبيين، واليهود، بينما يُمنح الصهاينة رخصة القتل وهم يقتلون الأطفال والنساء والمدنيين مثلًا، بزعم الدفاع عن النفس مستخدمين في ذلك الأسلحة المحرمة، وبأقسى صنوف البطش والتعذيب؟! وهل كانت النظرة للنازي ستختلف لو أن ضحاياه كانوا من مناطق أخرى كأفريقيا مثلًا، أو كانوا يتبعون ديانة مختلفة، تمامًا كما تم التساهل مع الصربي رانكو ميلاديتش في جرائمه ضد البوسنيين المسلمين، والذي استطاع الهرب لمدة 16 عاما قبل أن يتم اعتقاله ومحاكمته؟!

هذه التساؤلات يجب أن يُنظَر إليها في إطار محاولة فهم، النوازع الأخلاقية للساسة والزعماء في العالم الآن، ومحاولة فهم مشاعرهم الحقيقية تجاه الإنسانية، ورؤيتهم للتفوق السياسي، والاقتصادي أيضًا، ومدى فهمهم لموضوع الإنسان بالأساس، إذ يبدو لي وكأنهم لاينظرون إلى الإنسان باعتباره كائنًا حيًا، متساو في الحقوق والواجبات، وأن الأمر يبدو مع استمرار السياسات الاستعمارية والعنصرية، وكأنهم ما زالوا يعتنقون فكر المستعمرين الأوائل، الذين نظروا إلى الإنسان الأفريقي في القرن السابع عشر مثلًا، على أنه نوع مختلف من الكائنات.

أعود إلى السؤال الأول، حول ما إذا كان دونالد ترامب يشعر بالسعادة حقًا، وهو سؤال يستحق أن يتم دراسته بالفعل، فالرئيس الأمريكي هو نموذج للإنسان الباحث عن الثروة والقوة، لا يقبل الهزيمة أبدًا، ويسعى بكل الطرق، للفوز بما يرغب فيه، سواء كان ذلك صفقة، أو مال أو نفوذ، وهو نموذج كنت أظن شخصيًا أنه اختفى بانتهاء الحرب العالمية الثانية، بعد اختفاء الشخصيات "الفقيرة المتطلعة" النازعة لبناء الإمبراطوريات، من أمثال نابليون بونابرت مثلًا، لكن ترامب الذي يشبه في سلوكه "بونابرت" إلى حد كبير، يبدو أنه قد ينزع لما نزع إليه بونابرت، وربما ينتهي لنفس نهايته أيضًا.

وبحسب الموسوعة البريطانية فإن السعادة، في علم النفس، هي حالة من الرفاهية العاطفية يختبرها الشخص إما بالمعنى الضيق، عند حدوث أمور جيدة في لحظة معينة، أو بمفهوم أوسع، كتقييم إيجابي لحياته وإنجازاته بشكل عام - أي الرفاهية الذاتية، ويمكن تمييز السعادة عن المشاعر السلبية مثل الحزن والخوف والغضب، وكذلك عن المشاعر الإيجابية الأخرى، مثل المودة والإثارة والاهتمام.

ويميل الناس حول العالم إلى امتلاك مفهوم متشابه للسعادة، ويمكنهم تمييزها لدى الآخرين، ونتيجةً لذلك، غالبًا ما تُدرج عاطفة السعادة تحديدًا، ضمن عدد قليل من العواطف الأساسية، التي لا يمكن تقسيمها إلى عواطف أكثر جوهرية، والتي قد تتحد لتشكل عواطف أخرى أكثر تعقيدًا، وفي الواقع، قد تكون السعادة أحيانًا، هي العاطفة الإيجابية الوحيدة التي تُعتبر أساسية.

والحقيقة أنني شخصيًا لا أكره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بل ربما أشفق عليه، في سباقه المحموم من أجل الثروة والقوة والنفوذ، وكثيرًا ما أنظر إليه كرجل، أفني عمره في هذا السباق، وأن ما حدث له، حين تم إزاحته عن البيت الأبيض، لصالح الرئيس السايق جو بايدن، وما أثاره لديه من غضب شديد لذلك، هو ما قد أوضح أن هناك في عمق شخصية الرئيس ترامب "عقدة" ما، تجعله لا يشعر بالسعادة بسهولة حقًا، بل ربما أنه لا يشعر بالسعادة من الأساس، إلا إذا شعر بالقوة، والسيطرة، والنفوذ، إذ لم يتقبل الهزيمة بصدر رحب، وهي مسألة تستحق الدراسة والبحث حقًا، ربما عندها قد نجد المفتاح لحل مشاكل العالم الجديدة والقادمة أيضًا، بسبب مشاعر أولئك الزعماء من أمثال ترامب.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز