حسام الدين الأمير
فعلى مستوى العلاقات المصرية بين دولتي قطر، والكويت، كان لا بد من هذه الزيارة التي تعزز من شأن توطيد العلاقات، وخاصة على مستوى بحث سبل التعاون الثنائي بين مصر وقطر من ناحية، وبين مصر والكويت، من ناحية أخرى.
فالأولى شهدت خلال السنوات القليلة الماضية حالة من المصالحة بينها وبين مصر بعد أن اعترت العلاقات المصرية القطرية - خلال سنوات مضت - أشكال من التوترات، ولكن المصالحة التي تمت، كان من شأنها وجود تفاهمات مشتركة في عدد من القضايا، وأصبحنا أمام تنسيق، وتعاون مصري قطري في مختلف المجالات، وعلى جميع المستويات منها السياسي، والدبلوماسي، والاقتصادي بشكلٍ واسع.
وما يكشف لنا ذلك؛ لقاء السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي مع ممثلي مجتمع الأعمال القطري؛ وذلك لبحث فرص التعاون الاقتصادي بين البلدين، حيث تم التوافق على استمرار العمل المشترك نحو تعزيز مجالات الاستثمار والتبادل الاقتصادي؛ بما يعكس الإرادة السياسية بين البلدين، ويسهم في دعم التنمية الاقتصادية المستدامة التي تخدم تطلعات الشعبين الشقيقين، حيث جرى التوافق على تنفيذ حزمة من الاستثمارات القطرية المباشرة بقيمة إجمالية تصل إلى 7.5 مليار دولار أمريكي، تنفذ خلال المرحلة المقبلة.
والدولة الثانية؛ وهي الكويت تربطها مع الدولة المصرية علاقات من التآخي، والصداقة والتبادل التجاري، والتعاون السياسي، والثقافي، والشعبي، وعلى مختلف المستويات، كما أن الكويت لا تنسى المواقف المصرية الثابتة تجاهها، والزيارة تأتي تأكيدًا على عمق العلاقات الاستراتيجية بين البلدين وحرصهما على توسيع آفاق التعاون المشترك بينهما.
وعلى مستوى المنطقة، أرى أن الزيارة تكمن حساسيتها في التطرق إلى مناقشة التطورات الإقليمية، وخاصةً ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، والجهود المبذولة لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، خاصة وأن الدوحة كانت - وما تزال - شريكا لمصر خلال الشهور القليلة الماضية في جهود الوساطة لوقف إطلاق النار في غزة، والوصول إلى اتفاق لتبادل الأسرى والمحتجزين، كما أن زيارة السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى قطر، واختيارها الوجهة الأولى في جولته الخليجية كانت بمنزلة "الضربة القاضية" لإسرائيل التي حاولت خلال الأيام القليلة الماضية إحداث الوقيعة بين مصر وقطر بعد اتهامات إسرائيلية لقطر بعرض رشوة لتشويه الدور المصري في المفاوضات بين حماس، وحكومة نتنياهو، حيث لعبت إسرائيل على فكرة ما تقوم به قطر في المنطقة وأنها تلعب منفردة في ملفات الإسلاميين سواء في أفغانستان، أو باكستان، أو حتى مصر، وعلاقتها المعروفة بالجماعة الإرهابية، والذي يمثل أعضاؤها خصمًا للدولة المصرية.
لكن حتى وإن كانت إسرائيل صادقة، أو غير صادقة في توجهاتها تجاه قطر في محاولة منها إحداث الوقيعة؛ فإن السيد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي دومًا ما يفوِّت الفرصة على المشككين ويعطي لهم عكس مقصدهم حيث كانت الزيارة صفعة على وجه كل المتآمرين.
ولنا في البيان المشترك الذي صدر عن القاهرة، والدوحة أسوة وعبرة؛ حيث أكد البيان عدم السماح لأي محاولات للوقيعة بين البلدين تجاه ما يحدث في غزة، ليس هذا فحسب؛ بل إن الطرفين جددا دعمهما الكامل لخطة إعادة إعمار قطاع غزة، وأعربا عن تطلعهما إلى انعقاد مؤتمر دولي بهذا الشأن تستضيفه جمهورية مصر العربية في القاهرة، بالتعاون مع الشركاء الإقليميين، والدوليين؛ لتنسيق الجهود الإنسانية والتنموية بما يضمن تحسين الظروف المعيشية للشعب الفلسطيني في القطاع.
وعلى مستوى علاقات البلدين أعربت قطر دعمها لترشيح الدكتور خالد العناني، مرشح جمهورية مصر العربية، لمنصب المدير العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو؛ تقديرًا لمسيرته الأكاديمية والثقافية،، وثقةً في قدرته على الإسهام الإيجابي في عمل المنظمة.
وإذا انتقلنا إلى الجانب الكويتي؛ فإن دولة الكويت مؤمنة، وبشكل كامل بالدور المصري في المنطقة وأن القضايا العربية بدون وجود الدولة المصرية لن تقوم لها قائمة، هذا بخلاف إيمان الكويت أيضًا، بأن مصر تعد أحد أعمدة الأمن القومي العربي، وشريكًا أساسيًا للكويت في قضايا المنطقة ومصيرها المشترك، ويكشف ذلك الأمر عناوين الصحف الكويتية التي كانت مانشيتاتها تقول "يا هلا بالسيسي".
وعلى المستوى الشعبي أكد شعب الكويت الشقيق عبر تدويناته عبر موقع "إكس"، ومختلف مواقع التواصل الاجتماعي ترحيبه بالرئيس عبدالفتاح السيسي في بلده الثاني الكويت.
وبالعودة مرة أخرى إلى الزيارة أعتقد أنها "حتمية"، و"مِفصلية"؛ بسبب ما تمر به المنطقة العربية، ليس فقط على مستوى ما يدور في الأراضي الفلسطينية، وما يحدث في قطاع غزة من تجويع وتهجير وإبادة جماعية، لكن دعونا ننظر إلى ما يشهده السودان، واستمرار النزاع المسلح فيه، وما يحدث في اليمن، وليبيا، ومالي، والجزائر، وما يحدث في البحر الأحمر، وتهديدات الحوثيين، هذا بخلاف التشكيك العربي العربي فيما بين الدولة العربية، وبعضها في وقت بالغ الأهمية يحتاج فيه الشعب العربي بأكمله إلى تكاتف رؤسائه وحكوماته ومؤسساته على قلب الوحدة.
وعلينا جميعًا أن نعرف أن مصر تؤرِّق جميع الأطراف التي لا تريد لعملية السلام أن تتقدم، وأن الدور المصري بعد شوكة في ظهر من يريد استمرار النزاع في المنطقة العربية عامة، وعلى الأراضي الفلسطينية خاصة، كما أن الدور المصري في المفاوضات المتعلقة بالقضية الفلسطينية، ووقف إطلاق النار في غزة وإعادة الإعمار يمثل أكبر عائق أمام رغبة إسرائيل في تصفية القضية الفلسطينية، والتي تعتمد فيه على الدعم الأمريكي اللامحدود لها.
وليعلم الجميع أن مصر ستظل على مبدئها الذي يؤكد دعمها للشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وأنه لا بد من حل عادل، وشامل للقضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين، وأن موقف رئيسها عبدالفتاح السيسي، والشعب المصري، ثابت كما الجبال على الأرض في رفض التهجير، وأن سيناء خط أحمر، وأنه لا لتصفية القضية الفلسطينية، وأن ما يحدث جُرم لن تكون مصر، وشعبها شركاء فيه.