د. رانيا أبو الخير
وأكدت المناقشات على أن التنمية لا يوجد لها نموذجًا واحدًا، بل نماذج عديدة ومتعددة بما يناسب أوضاع وظروف كل دولة وخصائصها السكانية وإمكاناتها الاقتصادية وظروفها المناخية وأوضاعها السياسية ورؤيتها الفكرية والأيديولوجية، وأن التعددية في النماذج التنموية شرطًا أساسيًا لتحقيق مستهدفات الأمم المتحدة في التنمية المستدامة طبقًا لرؤيتها 2030، إذ تضمنت هذه الرؤية سبعة عشر هدفًا شملت مختلف مناحي الحياة الإنسانية، دونما أن تُفرض على أي دولة أو طرف تبني سياسات معينة أو استراتيجيات محددة.
ولكن أُطلقت يد كل دولة في أن تضع استراتيجياتها التنموية وفقًا للأهداف الأممية، مراعية بذلك سماتها وخصائصها المتفردة، وهذا هو النهج الصيني في تقديم نموذجها التنموي أو ما تُطلق عليه "التحديث الصيني النمط".
وهذه الرؤية تحمل بعدين مهمين: الأول، أنها عوائدها وفوائدها لا تقتصر على الشعب الصيني فحسب، بل تسعى إلى تقاسم فرص التنمية ومردوداتها على الجميع من خلال المصير الإنساني المشترك، فجميعنا يعي المبادرات الإنسانية العالمية التي أطلقتها الصين من أجل رفاهية الشعوب وتحقيق الأمن والسلام والاستقرار، وعلى رأسها مبادرة الحزام والطريق.
وفي هذا المقام، تأتي الرؤية الصينية من أجل مساعدة دول الجنوب العالمي في المضي قدمًا نحو تحقيق حياة أفضل لشعوبها من خلال تعزيز مسيرة التحديث لديها.
أما البعد الثاني في الرؤية الصينية، أنها لا تفرض أجندات أو سياسات أو مواقف على الدول الشركاء في بناء التنمية والتحديث، فبالنظر إلى سياسة الصين على مدار العقدين الماضيين على سبيل المثال، نرى أن ما أقامته الصين من مشروعات تنموية لدى العديد من الدول، وخاصة الدول الأكثر فقرًا من دول الجنوب، لم تصاحبه فرض أجندات أو ضرورة تبني سياسات، بل الأمر الأكثر لفتًا للانتباه للجميع هو أن المؤسسات الصينية سواء الاقتصادية أو الثقافية والتعليمية، مثلت جسورًا حقيقية بين الشعب الصيني وشعوب دول الجنوب، حققت بفضلها توافقات سياسية بشأن مختلف القضايا والملفات العالمية بما يحقق مصالحها ويعود بالنفع على شعوبها وأبنائها.
ملخص القول، إن حوار القاهرة حمل رؤية جديرة بالتكرار بشأن العديد من الملفات والقضايا التي تخص الصين بصفة خاصة وعلاقاتها الخارجية إقليميًا ودوليًا بصفة عامة، من أجل تقديم صورة صحيحة عن السياسة الصينية ومنطلقاتها وتوجهاتها، والتي تتوافق في كثير منها مع السياسات العربية بصفة عامة، والمصرية على وجه الخصوص.
فإذا كانت انطلاقة حوار القاهرة ناقشت دور مراكز الفكر والإعلام في التقارب الصيني العربي، وفي تقديم صورة حقيقية عن واقع تلك العلاقات الصينية العربية، فإن استمراريته بشكل دوري يمثل منصة إعلامية وبحثية وسياسية، بل واقتصادية، مهمة تُعزز من التقارب وتفتح أفقًا أوسع للتعاون.