البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود
يبدو أن الرئيس الأمريكي قد تمت "برمجته" لتغيير النظام العالمي الحالي، وإعادة تشكيل كل ما عرفه العالم من نظام رأسًا على عقب، إذ أطلق عددًا كبيرًا جدًا من التصريحات خلال فترة رئاسته الثانية، تلك التصريحات التي كان لها تأثير كبير، إذ يبدو أن الرئيس الأمريكي يؤمن بأن ما أنفقته الولايات المتحدة الأمريكية من مساعدات ودعم لحكومات الدول المختلفة يجب أن يتم اعتباره "استثمارًا" أمريكيًا، وأن الوقت قد حان لجمع الأرباح.

والحقيقة، أن هذا الأمر يمكن أن تفسره إلى حد كبير زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأخيرة للقاهرة، تلك الزيارة التي جرت في إطار "استثنائي" من الود الفرنسي، بل والأوروبي أيضًا، إذ أكد الرئيس الفرنسي أن تلك الزيارة إنما هي لتعميق التعاون مع مصر، ولأن تتحول العلاقات التاريخية بين البلدين، إلى شراكة إستراتيجية أيضًا.

كان البرلمان الأوروبي قد اعتمد، بجلسته المنعقدة في شهر أبريل الجاري، إتاحة الشريحة الثانية من حزمة الدعم المالي الكلي المقدمة من الاتحاد الأوروبي لمصر بقيمة 4 مليارات يورو، هذا التمويل الذي يأتي ضمن حزمة مساعدات من الاتحاد الأوروبي لمصر تُقدر بـ5 مليارات يورو، منها مليار يورو حصلت عليه الحكومة المصرية بالفعل في نهاية ديسمبر الماضي، ليصبح دعمًا أوروبيًا قويًا للبرنامج المصري الوطني للإصلاحات الهيكلية الذي تنفذه الحكومة المصرية، ضمن 3 محاور رئيسية هي: استمرار استقرار الاقتصاد الكلي، وتأمين بيئة أعمال داعمة، وتحفيز القطاع الخاص، ودعم التحول الأخضر.

والحقيقة، أيضًا أنه ربما ينبغي قراءة هذا الخبر، ليس فقط في إطار تعميق الشراكة، وإنما في إطار بحث الاتحاد الأوروبي عن بدائل وتحالفات قوية في الشرق الأوسط، وربما يتبعها البحث عن تحالفات جديدة في الشرق الأقصى أيضًا، بما يمكن أن تؤمن له تلك الشراكات والتحالفات إمدادات جديدة للطاقة، خاصة بعد التطورات الأخيرة في الحرب الروسية الأوكرانية، وبعد التغير الذي أحدثته إدارة ترامب في هذا الملف، واتجاه الرئيس الأمريكي لإنهاء الحرب، والتي تسبب دعم الاتحاد الأوروبي لأوكرانيا فيها، بأن يخسر إمدادات الطاقة الروسية، بل وأن يتحمل خسائر اقتصادية كبيرة بسبب دعم الاتحاد لأوكرانيا.

إذ أدى التزام الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء بمساعدات مالية كبيرة لأوكرانيا، بما في ذلك المساعدات المالية للحكومة الأوكرانية، وأيضًا الدعم للاجئين، إلى أعباء كبيرة على ميزانيات الاتحاد الأوروبي، كما ساهمت الحرب في تقلبات كبيرة في أسعار الطاقة في جميع أنحاء أوروبا، مما أثر على المواطنين والشركات أيضًا، وساهمت الحرب في اضطراب في سلاسل التوريد وارتفاع أسعار السلع الأولية، مما أدى إلى ارتفاع التضخم في منطقة اليورو، بما أثر على القوة الشرائية لليورو وارتفاع الأسعار أيضًا.

ويبدو أن انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من دعم أوكرانيا لإنهاء الحرب ليس فقط القرار الصادم الوحيد للاتحاد الأوروبي على ما يبدو، إذ أن تصريحات الرئيس الأمريكي بدأت تثير القلق في جميع أنحاء العالم أيضًا، فالرئيس الأمريكي أصبح يتعامل مع العالم كله على أنه قرية صغيرة، لكنها قرية يجب أن تخضع للولايات المتحدة الأمريكية، وأن تستجيب لقرارات الرئيس الأمريكي مهما كانت تلك القرارات تعتدي على سيادات الدول صراحة.

أعتقد أن "أحلام" الرئيس الأمريكي في السيطرة على العالم، لن تتحقق كما يبدو له، وأن المفاجأة ستكون صادمة له وللمجتمع الأمريكي أيضًا، إذ أن ما فعلته وسائل التواصل الاجتماعي في العالم، جعله قرية صغيرة بالفعل، وهو ما جعل العالم يتواصل بشكل أوسع وأسرع، وهو ما ساهم في ظهور شراكات جديدة بين دول لم تكن تجمعها في السابق علاقات اقتصادية أو تجارية أو صناعية من الأساس، وهو ما سيجعل مهمة ترامب صعبة للغاية، بل وربما مستحيلة أيضًا، خصوصًا في ظل التفوق الصناعي والعلمي المذهل لجمهورية الصين، تلك التي أصبحت تتحكم بالفعل في عالم الاقتصاد والعلوم وربما عوالم أخرى.

وأخيرًا، أظن أنه على الساسة في الولايات المتحدة الأمريكية، الالتفات لما تحدثه سياسة الرئيس الأمريكي من تأثير على الولايات المتحدة نفسها، وأن يعيدوا النظر في النصائح التي توجه إليه، وأن يفهموه أن "سيل" التصريحات المثيرة للجدل، لن يحقق مكاسب للولايات المتحدة، حتى وإن حققت بعض الإثارة السياسية، بل ربما تتسبب سياسته وتصريحاته في خسائر مثيرة للولايات المتحدة نفسها أيضًا، وأولها فقدان النظرة للولايات المتحدة كحليف للعديد من الدول، وهو أمر قد بات قريبًا جدًا، وهو ما سيدفع بسببه المواطن الأمريكي فيما بعد ثمنًا باهظًا أيضًا.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز