رامي زهدي
حين نرصد مسارات التنمية في إفريقيا، نغفل أحيانًا عن الدور الأكثر ثباتًا وفاعلية، على الرغم من أنه كثيرًا ما يُمارس في صمت أو يُدرج في الهوامش. إنه دور المرأة الإفريقية، التي لا تقف فقط، على هامش الحراك التنموي؛ بل تتوسطه، وتدعمه، وتدفعه للأمام، رغم ما تواجهه من تحديات بنيوية وثقافية واقتصادية.
المرأة في القارة الإفريقية في كل مكان وكل زمان، من الزراعة، ريادة الأعمال، العمل الأهلي، إلى صناعة القرار، وجميع المجالات في شرق وغرب القارة، حيث ينبض قلب إفريقيا بالكدّ والعطاء، وتزدهر حكايات نساء يكتبن مجدًا تنمويًا في صمت.
في الطب، والصناعة والأمن والتعدين والثقافة والتربية والتعليم وفي كل شئ، المرأة الإفريقية حاضرة ومؤثرة.
"المرأة الإفريقية، والزراعة.. اليد التي تزرع القارة"
تشير تقارير الاتحاد الإفريقي ومنظمات التنمية إلى أن المرأة تمثل نحو 60-70% من القوة العاملة في القطاع الزراعي. في الحقول الممتدة من كينيا إلى مالي، تعمل النساء في الزراعة التقليدية والزراعة التعاونية، وهن المسؤولات عن زراعة المحاصيل الغذائية الأساسية، لا سيما الذرة، والدخن، والفول، والكسافا.
في أوغندا، على سبيل المثال، تشكل النساء 76% من القوة الزراعية، إلا أنهن يمتلكن أقل من 15% من الأراضي. ومع ذلك، يقمن بدور محوري في الأمن الغذائي، وفي تطوير نظم الزراعة المستدامة، مثل استخدام السماد العضوي وتقنيات الزراعة المختلطة.
أما في نيجيريا، فقد برزت نماذج ناجحة لنساء قرويات أسسن تعاونيات زراعية مدرة للدخل، ساهمت في تحسين حياة أسر بأكملها، وتحقيق نوع من الاستقلال الاقتصادي المحلي، وفرض حضور للنساء داخل الأسواق.
"ريادة الأعمال النسائية.. معارك النجاح بصمت"
رغم ضعف التمويل وصعوبة الوصول للأسواق، أثبتت المرأة الإفريقية أنها قادرة على قيادة مشروعات ناجحة في بيئات شديدة التحدي. في الواقع، تُظهر الدراسات أن إفريقيا تضم أعلى معدل عالمي لريادة الأعمال النسائية بنسبة تقارب 26%.
في رواندا، التي تعد من الدول الرائدة في تمكين المرأة، دعمت الحكومة عبر صندوق التنمية للمرأة أكثر من 200 ألف مشروع نسائي صغير ومتوسط، ساهم في تقليص الفقر الريفي، وتحقيق نمو محلي غير مسبوق.
وفي غانا، تسيطر النساء على 46% من قطاع الأعمال غير الرسمية، وتُعرف "سيدات السوق" بأنهن عماد الاقتصاد المحلي، ولديهن شبكات تضامن مالي ومجتمعي تتجاوز الأطر الرسمية.
لكن الأهم من ذلك هو دخول المرأة الإفريقية إلى مجالات كانت حكرًا على الرجال، مثل التكنولوجيا المالية، الصناعات الخفيفة، والحرف المُطورة، وهو ما أفرز جيلًا جديدًا من سيدات الأعمال في نيجيريا وكينيا وإثيوبيا، يتحدثن لغة السوق العالمية.
"العمل الأهلي.. نساء في ميدان التغيير المجتمعي"
العمل الأهلي في إفريقيا غالبًا ما يكون امتدادًا للدور الأمومي للمرأة، لكنه تطور في العقود الأخيرة ليصبح أداة للتغيير الاجتماعي والسياسي.
في إثيوبيا، تأسست آلاف الجمعيات القاعدية التي تديرها نساء في الريف، تعمل على قضايا الصحة والتعليم ومحو الأمية، في ظل محدودية دور الدولة.
وفي سيراليون، قادت النساء مبادرات مجتمعية كبرى لإعادة تأهيل المجتمعات بعد الحرب الأهلية، فأنشأن مراكز تدريب على الحرف، وبرامج لدعم الأرامل والنازحين، وساهمن في إعادة اللحمة الاجتماعية.
تجربة تنزانيا تقدم أيضًا مثالًا ملهمًا، حيث أدارت نساء محليات برامج مكافحة زواج القاصرات وختان الإناث، باستخدام أدوات من داخل الثقافة، واستفدن من التعليم الديني المسيحي والإسلامي لمواجهة الممارسات الضارة، دون صدام ثقافي مباشر.
"صناعة القرار.. من الغياب إلى المشاركة المؤثرة"
على الرغم من الإرث الذكوري الطويل في السياسة الإفريقية، بدأت المرأة تقتحم مجال صناعة القرار بثقة. ورغم أن المشاركة لا تزال دون الطموح، فإن التقدم واضح.
في رواندا، تشكل النساء أكثر من 60% من البرلمان الوطني، وهي النسبة الأعلى عالميًا، وقد ساهم ذلك في إصدار تشريعات نوعية داعمة للمرأة والأسرة والطفل.
وفي السنغال، وبعد تطبيق قانون التناصف، ارتفعت نسبة تمثيل المرأة في المجالس المحلية إلى أكثر من 45%. وأثبتت النساء في مناصبهن قدرة على الحوكمة المجتمعية الفاعلة، خاصة في قطاعات التعليم والصحة والمياه.
ولعل الأهم أن النساء لا يشاركن فقط في مناصب رمزية، بل أصبحن وزيرات للدفاع والمالية والخارجية في عدة دول، كما هو الحال في جنوب إفريقيا وكينيا. كما شاركت نساء إفريقيات بفاعلية في الوساطات السياسية، كما فعلت "جريس كابوي" في الكونغو الديمقراطية و"أمينة محمد" في نيجيريا.
أخيرًا، دعم المرأة الإفريقية، مدخل حتمي لتنمية شاملة ومستدامة، فلا يمكن تصور مستقبل إفريقي مزدهر دون تمكين حقيقي للمرأة، ليس من باب العدالة فقط، بل لأن المعطيات الواقعية تثبت أنها رافعة تنموية فاعلة، لا غنى عنها.
يجب أن تدرك الحكومات، ومؤسسات التمويل، والقطاع الخاص، أن الاستثمار في قدرات النساء الإفريقيات ليس عملًا خيريًا، بل هو رهان تنموي رابح.
كما ينبغي توسيع نطاق الحماية القانونية، وتوفير التمويل الميسر، وتعزيز التعليم الفني والمهني للفتيات، إلى جانب إشراك النساء في بلورة السياسات العامة والخطط الاقتصادية.
ويجب ان يُنظر بعين الإعتبار لحلول حاسمة لقضايا المرأة الإفريقية، بدءًا من العنف ضد المرأة وحتي قضايا تعليم وصحة وتمكين المرأة.
في النهاية.. تبقى المرأة الإفريقية هي العمود الفقري الخفي للتنمية، الذي يستحق أن نراه، ونؤمن به، ونبني عليه مستقبل القارة.. مستقبلًا أكثر عدلًا، وازدهارًا، وشراكة بين الجنسين.