البث المباشر الراديو 9090
داليا الحديدي
منذ سنوات، كنت أعمل مراسلة بإحدى الصحف بدولة عربية، وكان مقر العمل يوفر المشروبات مجانًا للموظفين، وهو أمر اعتدت عليه بحكم عملي السابق في مؤسسات أخرى كانت تتبع النهج ذاته.

وبعد سنوات، انتقلت للعمل في جريدة محلية بالمدينة نفسها. وذات يوم، طلبت كوبًا من النسكافيه أثناء الدوام، فجاءني "كريشنر"، ساعي البوفيه، ليخبرني بلطف أن من الأفضل أن أحضر فنجاني الخاص، فالجميع يفعلون ذلك. وعدته بأن أفعل.

وبعد عام، عُينت مسؤولة عن صفحة المرأة، وهي إحدى الصفحات المتخصصة في المؤسسة.

وفي أحد الأيام، أصر رئيس القسم على أنني لم أسلمه الصفحة، بينما كنت متأكدة تمامًا من أنني سلمتها إليه. كان رئيسي رجلًا دمث الخلق، لكن ضغط العمل كثيرًا ما يرفع منسوب التوتر، ويجعل تبادل الاتهامات مخرجًا سريعًا للمواقف المربكة. وكنت آنذاك حاملًا، فعلق مازحًا بأن الحمل ربما أثر في ذاكرتي!

حاول أحد الزملاء تهدئة الموقف، فاقترح رهانًا بسيطًا: إذا وُجدت الصفحة بين أوراق رئيس القسم، فإنه يعزم الجميع على الشاي، أما إذا لم تُوجد، فالمشروبات ستكون على حساب داليا.

لم يجد رئيسي صفحة المرأة بين أوراقه، لكنني سألت زميلي: «أليست المشروبات خدمة مجانية تقدمها الجريدة للعاملين، كما كان الحال في الموقع الذي عملت فيه سابقًا؟».. فأجاب بالنفي.

انتظرت حتى انتهى الدوام، ثم ذهبت إلى "كريشنر" في مطبخه الصغير، وسألته في حيرة: «لماذا؟ عامان كاملان وأنا أتناول المشروبات مجانًا، لماذا يا "كريشنر"؟ إن الأمر محرج للغاية بالنسبة لي. لست ابنة بلدك، ولم يصدر مني ما يسيء إليك، فما الذي ظننته بي؟»..

قاطعني بعربيته المتواضعة قائلًا: «اهدئي يا مدام، أنتِ أختي».. كررها أكثر من مرة، ثم أردف: «كل ما في الأمر أنني رأيتك قبلتِ العمل في الجريدة براتب شهري بسيط، وهذا يعني أنك بحاجة إلى المال. ثم نقلوك إلى أقسام أخرى، واستمروا في الاستفادة من خبراتك مع الإبقاء على راتبك كما هو. وحتى عندما ترقيت وأسندوا إليك مسؤولية صفحة المرأة، إلى جانب عملك، لم يزد راتبك إلا قليلًا. لقد اطلعت على كشوف رواتب العاملين».

ثم سألني: «هل تعلمين كم يبلغ راتبي؟».. فأجبته: «ومن أخبرك أنني أريد أن أعرف؟»

فقال مبتسمًا: «ومع ذلك سأخبرك. أنا أتقاضى تقريبًا نفس راتبك، أي إنهم ساووا بيني وبينك».

قلت له: «هذا لا يزعجني».

فرد بحزم: «لكنه يزعجني أنا. فأنتِ خريجة كلية الإعلام، ودرستِ الصحافة، وتمتلكين خبرة في تخصصك، وتتحدثين ثلاث لغات أجنبية، ولذلك يرسلونك لتغطية المؤتمرات».

ثم أمسك بعضدي بكفيه، كأنه يريد أن يوقظ وعيًا نائمًا بداخلي، وقال: «لا أعرف الكلمة المناسبة بالعربية، لكنهم يبخسونك حقك، ولذلك تعاطفت معك. أنا ألمس حجم الجهد الذي تبذلينه، وأتصور أنك تعودين إلى بيتك لتواصلي عملك كزوجة وأم مرهقة. لم أقدم لك المشروبات لأنني أراك محتاجة أو أقل شأنًا، بل لأنني أرى أن عملك أكبر بكثير مما تحصلين عليه، وأن قلة خبرتك في المطالبة بحقوقك، إلى جانب حيائك، تمنعانك من الحصول على ما تستحقين».

لم أذهب إلى العمل في اليوم التالي، خجلًا من ذلك الساعي الطيب، لكن رئيس القسم اتصل بي معتذرًا بعدما وجد صفحة المرأة بين أوراقه.

وكثيرًا ما أتساءل: «لماذا لا يأتينا التقدير إلا ممن لا نتوقعه؟»

أحسب أن أثمن ما منحته لي الغربة، إلى جانب التعرف إلى التنوع الإنساني، أنها عرفتني على المشترك الإنساني العميق، وغسلتني من أوهام إقصاء الآخر على أساس اللون أو العقيدة أو الجنسية. فكم من المواقف الاجتماعية والاقتصادية والحياتية التي تنبتها الغربة، لتجد نفسك في مواجهة إنسان، لا شيء بينك وبينه سوى إنسانيته.

قبل الاغتراب، كنا نشرب من حوض نظن أن نقاءه استثنائي، لكن الغربة قدمت لنا أنهارًا متعددة الروافد، تجري فيها إنسانيات مختلفة المشارب والاتجاهات.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز