د. رانيا أبو الخير
ويعود تاريخ هذا اليوم إلى "إعلان شومان" نسبة إلى وزير الخارجية الفرنسي الأسبق، روبرت شومان، صاحب الاقتراح بالمطالبة بتخصيص يوما للاحتفال بالقارة الأوروبية محددًا التاسع من مايو عام 1950، وهو اليوم الذى يصادف وجود اول وثيقة رسمية معلنة عن ولادة الاتحاد الأوروبي.
صحيح أن الاقتراح ظل مطروحا على مدى ما يقرب من ثلاثين عامًا إلى أن تم ترسيم هذا اليوم بقرار من المجلس الأوروبي في اجتماع له عام 1985، إلا أنه من الصحيح أيضًا، أن تخصيص يوما سنويا للسلام والوحدة في أوروبا بعدما شهدت حربين عالميتين "الأولى عام 1914 والثانية عام 1939" راح ضحيتهما مئات الالاف من الأبرياء - يمثل عنوانا حقيقا لتوجهات الدول الأوروبية بشأن تذكر بدايات وحدتها وسعي قادتها إلى إحلال السلام والاستقرار في ربوع القارة الأوروبية التي تشهد اليوم تحولات عدة سواء على مستوى علاقات دولها مع القوة الكبرى في النظام الدولى "الولايات المتحدة الامريكية"، أو على مستوى علاقاتها مع المنافس الصاعد اقتصاديا "الصين"، أو على مستوى علاقاتها مع الجار الحدودى الذى شهدت علاقاتهم به تقلبات عدة "الاتحاد الروسى".
ولذا؛ فإن الاحتفال بـ "يوم أوروبا" هذا العام يحمل بُعدين مهمين؛ الأول بعدا جغرافيا يتعلق بتطورات العلاقة الأوروبية الروسية في ظل الازمة الأوكرانية والتي تعد اول حرب على الأراضي الأوروبية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية 1945.
صحيح أن العلاقة بين الجانبين على مدار خمس وأربعين عاما 1945-1990 لم تشهد استقرارا؛ إذ خاض الطرفان حربا باردة إلا أنها لم تصبح حرب مباشرة إلا مع الازمة الأوكرانية التي تُعد معركة غير مباشرة بين روسيا من جانب ودول القارة الأوروبية من جانب آخر.
أما البعد الثانى، فهو بعد زمنى يتعلق بالدور الذى تبحث عنه أوروبا في هذا التوقيت الخطير الذى يعيشه العالم اليوم؛ إذ يشهد العالم حروب تجارية من ناحية، وصراعات بالوكالة من ناحية أخرى، وحروب إقليمية عديدة من ناحية ثالثة، بما يتطلب من دول القارة أن تعيد ترتيب حساباتها وفقا لمنطلقات عدة، بعضها يتعلق بمصالحها المباشرة سواء في أوضاعها الداخلية، أو علاقاتهم التبادلية.
وبعضها يتعلق بمصالحهم غير المباشرة، سواء فيما يتعلق بتفاعلاتهم مع جوارها الإقليمي في الشرق الأوسط، وجنوب المتوسط وما يحمله من تهديدات لأمنها واستقرارها "الهجرة غير الشرعية والإرهاب"، أو فيما يتعلق بتفاعلاتها في رسم شكل النظام الدولى الذى يمر بهيكلة جديدة بين مسارات قطبية؛ ثنائية أم ثلاثية أم متعددة، وتأثيرات كل ذلك على توجهات سياسات دول القارة.
جدوى القول، إن الاحتفال بـ "يوم أوروبا" هذا العام يجعل منه احتفالا بروتوكوليًا أكثر من احتفالا حقيقيا في ظل التحديات والتهديدات والمخاطر التي تحيط بأمن دول القارة واستقرارها.