البث المباشر الراديو 9090
رامي زهدي
في ظل تصاعد التحديات البيئية العالمية، تأتي الغابات الإفريقية لتكون جزءا مؤثرا في قلب الجغرافيا السياسية والاقتصادية الجديد ، بعد أن أصبحت الغابات الإفريقية محورًا رئيسيًا في التنافس الدولي على الموارد الطبيعية. حيث تُعد هذه الغابات من أكبر مخازن الكربون الحيوية، مما يجعلها ذات أهمية استراتيجية في الجهود العالمية لمكافحة التغير المناخي. بالإضافة إلى ذلك، تمثل الغابات مصدرًا غنيًا للموارد الاقتصادية، مثل الأخشاب والمنتجات غير الخشبية، وتوفر سبل عيش لملايين السكان المحليين.

وعبر الخريطة الخضراء الممتدة للقارة يظهر توزيع ومساحات الغابات الإفريقية مترامية الأطراف، حيث تمتد الغابات في إفريقيا على مساحات شاسعة، حيث تُغطي حوالي 674 مليون هكتار، أي ما يعادل 22.7% من إجمالي مساحة القارة.

تتركز الغابات الكثيفة في منطقة حوض الكونغو، والتي تُعد ثاني أكبر غابة مطيرة استوائية في العالم بعد الأمازون. حيث تشمل الدول ذات الغطاء الحرجي الأكبر، جمهورية الكونغو الديمقراطية، الجابون، الكاميرون، أنجولا، وموزمبيق.


بينما تتضح الأهمية البيئية والاقتصادية للغابات الإفريقية في أنها مخازن للكربون، حيث تُسهم الغابات الإفريقية في امتصاص كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون، مما يساعد في تقليل آثار التغير المناخي، وأيضا مصدر للتنوع البيولوجي، حيث تحتوي الغابات على نسبة كبيرة من التنوع البيولوجي العالمي، بما في ذلك أنواع نادرة ومهددة بالانقراض.

وعلي مستوي الأهمية الاقتصادية، الغابات تعني المساهمة في الناتج المحلي الإجمالي بقيم ونسب مؤثرة، ففي بعض الدول، تُسهم الغابات بنسبة كبيرة في الناتج المحلي الإجمالي، على سبيل المثال، تُسهم الغابات بنسبة 32% من الناتج المحلي في ليبيريا، و23% في بوروندي، و19% في جمهورية الكونغو الديمقراطية.

ويوفر قطاع الغابات كذلك فرص عمل لملايين الأشخاص، سواء في القطاعات الرسمية أو غير الرسمية، وبخلاف المواد الخام الخشبية، هناك أيضا المنتجات غير الخشبية، والتي تشمل النباتات الطبية، والفواكه، والمكسرات، والتي تُستخدم في الصناعات الغذائية والدوائية.

الغابات كمصدر دخل اقتصادي هائل: بين الفرص والتحديات


تمثل الغابات سوق للكربون، حيث تُعد الغابات الإفريقية مرشحًا قويًا للاستفادة من أسواق الكربون العالمية، على سبيل المثال، تهدف مبادرة "Africa Forest Carbon Catalyst" إلى دعم مشاريع تُسهم في تقليل 20 مليون طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سنويًا بحلول عام 2025 .

ووجهة السياحة البيئية، في وقت تمتلك الغابات إمكانات كبيرة لتطوير السياحة البيئية، مما يُسهم في تعزيز الاقتصاد المحلي، لكن يعاني كذلك قطاع الغابات في القارة من تحديات مؤثرة، منها الاستغلال غير المستدام، حيث يُواجه قطاع الغابات تحديات مثل القطع الجائر، والتهريب، وضعف الحوكمة، ومايعرف كذلك بـ"الاستعمار الكربوني"، فهناك مخاوف من استغلال الشركات الأجنبية للغابات الإفريقية للحصول على أرصدة كربونية بأسعار زهيدة، دون تحقيق فوائد ملموسة للمجتمعات المحلية .


الغابات الإفريقية والتنافس الدولي على التحكم والانتفاع

تتنافس القوى الدولية على النفاذ إلى الغابات الإفريقية لأسباب متعددة، منها، الموارد الطبيعية، حيث تسعى الدول للحصول على الموارد الخشبية والنباتات الطبية، والأرصدة الكربونية كذلك حيث تُعد الغابات مصدرًا هامًا لأرصدة الكربون، مما يجعلها هدفًا للمشاريع البيئية الدولية، إضافة إلي النفوذ الجيوسياسي، حيث تُستخدم المشاريع البيئية كوسيلة لتعزيز النفوذ السياسي والاقتصادي في القارة.

 

أثر استغلال الغابات على المجتمعات الإفريقية

يُؤثر استغلال الغابات على حقوق السكان الأصليين، مما يثير قضايا تتعلق بالعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، حيث تعتمد العديد من المجتمعات على الغابات كمصدر رئيسي للغذاء والدواء والمواد الخام، وقد يؤدي استغلال الغابات إلى نزوح السكان وتغيرات في البنية الاجتماعية للمجتمعات المحلية.

كيف نحول الغابات الإفريقية إلى قوة ناعمة اقتصادية واستراتيجية؟

جهود كثيرة لكنها ممكنة وواقعية يمكن بها تعظيم الآثر الإقتصادي والچيوسياسي للغابات الإفريقية منها، العمل علي تعزيز الحوكمة، من خلال تطوير الأطر القانونية والمؤسسية لإدارة الغابات بشكل مستدام، وكذلك السعي نحو الاستثمار في التكنولوجيا، واستخدام التقنيات الحديثة لمراقبة وإدارة الغابات، وكذلك التعاون الإقليمي، عبر تعزيز التعاون بين الدول الإفريقية لإدارة الغابات بشكل مشترك، وتمكين المجتمعات المحلية، من خلال إشراك المجتمعات في اتخاذ القرارات المتعلقة بإدارة الغابات، وضمان استفادتها من العوائد الاقتصادية.

الغابات الإفريقية كركيزة للتنمية المستدامة

تمثل الغابات الإفريقية فرصة استراتيجية لتحقيق التنمية المستدامة، من خلال الموازنة بين الأبعاد البيئية والاقتصادية والاجتماعية، يتطلب ذلك جهودًا متكاملة من الحكومات، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، لضمان حماية هذه الموارد الحيوية واستغلالها بشكل عادل ومستدام.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز