بسنت بكر
جئته لكن كما يأتى الغريب.. ومضيت اليوم عنا.. غير أنا
نحلم الآن بأن تأتي إلينا.. ربما العود قريب
أيها الخل الصديق.. رغم مأساتك فينا سنغني ونغني
نرتوي شعر التمني.. في انتظار منك أن تأتي البشارة
كي تُغطي الأرض عدلًا وبراءة.. وسلامًا وطهارة
لن نقول لك الوداع اليوم لكن.. سوف نلقاك على نفس الطريق
لا وداعًا يا صديق
ظلّت قضية الثأر على مدار قرون طويلة جرحًا مفتوحًا في جسد المجتمع العربي والمصري، وبالأخص في صعيد مصر، حيث رسّخت الأعراف القبلية مفهومًا للعدالة يعتمد على الانتقام الشخصي كوسيلة لحفظ الكرامة ورد الاعتبار، رغم ما يسببه ذلك من سلسلة لا تنتهي من الألم والدم. وقد ألقى هذا المفهوم بظلاله على الأدب العربي بكل أشكاله، فجاءت روايات ومسرحيات وأفلام تستنطق مأساة هذا الإرث، وتكشف مأزق الإنسان بين حرية قراره وقيد تراثه.
يُعد نص "الثأر ورحلة العذاب" للكاتب المسرحي أبو العلا السلاموني أحد أبرز الأعمال التي تناولت هذه القضية من زاوية فكرية وفنية وإنسانية مركّبة. إذ ينطلق السلاموني من قصة الشاعر الجاهلي امرؤ القيس، الذي وجد نفسه مُمزقًا بين طبيعته الشاعرية الحالمة وحريته الروحية، وبين قدره المفروض عليه كابنٍ لملك قُتل غدرًا، ومطالب بالثأر لاستعادة شرف العائلة.

تُبرز المسرحية مأساة امرؤ القيس كبنية درامية متعددة الطبقات، تجمع بين الصراع الداخلي والنزاع الاجتماعي والقدر المحتوم، فتصبح شخصيته تجسيدًا حيًا لمحنة الإنسان العربي المحكوم بإرث العشيرة والدم، في مقابل تطلعه الشخصي نحو الفن والحب والحرية. بهذا الشكل، لا يكتفي السلاموني بإعادة سرد حكاية من الماضي، بل يوظفها ليعرض مأساة إنسانية لا تزال حاضرة في واقعنا المعاصر.
ليس غريبًا أن تكون نشأة طه حسين في صعيد مصر ذات أثر في تشكيل حساسيته تجاه قضايا مثل الشرف والثأر، وهو ما نراه جليًا في روايته الخالدة "دعاء الكروان" (1934). الرواية، التي تحوّلت إلى فيلم سينمائي لاحقًا، تتخذ من حادثة قتل "هنادي" على يد خالها بحجة الشرف، مدخلًا دراميًا لتحليل نفسية المجتمع، كما تطرح الصراع الحاد بين مشاعر الحب ومطلب الثأر لدى "آمنة" أخت القتيلة. وهكذا تتحوّل الرواية إلى دراسة إنسانية رفيعة في سؤال: هل يمكن تجاوز منطق الدم أمام نداء العاطفة والعدالة الحقيقية؟
هذا التناول الإنساني لموضوع الثأر هو ما يمهّد لنا تلقي مسرحية "الثأر ورحلة العذاب" بوصفها امتدادًا أدبيًا وفكريًا لذلك الجدل، مع اختلاف المنهج والأسلوب. فبينما يميل طه حسين إلى الواقعية النفسية، يذهب السلاموني إلى الرمزية التاريخية، مستلهِمًا من الشعر الجاهلي ومن شخصية شاعر تمزّقه التناقضات، ليؤسس مأساة فلسفية عن الكرامة والحرية.

ينتمي السلاموني إلى جيل السبعينيات في المسرح المصري، الجيل الذي تعرّض للتهميش أحيانًا بسبب غياب الاعتراف النقدي، رغم ثرائه الفني. ويتميّز هذا الجيل، لا سيّما السلاموني، بسعيه لربط التراث بالتجريب المسرحي، أي جعل التاريخ مادة حيّة تتفاعل مع الحاضر. وهذا ما فعله في مسرحيته حين قدّم شخصية امرؤ القيس، ليس بوصفه شاعرًا أسطوريًا، بل كإنسان يعيش تناقضات مجتمع يطالبه بالثأر في حين أنه يطمح للحياة والقصيدة والنساء والحرية.
تدور المسرحية في ثمانية مشاهد، كل مشهد منها يرسم جانبًا من رحلة العذاب التي يخوضها البطل بين قدره وذاته. وقد عمد السلاموني إلى بناء حبكة درامية مشدودة ومتدرجة، لا تعتمد فقط على الحكي، بل على صراع داخلي يتكثف تدريجيًا حتى يصل ذروته، عندما يُجبر امرؤ القيس على خوض معركة الثأر، رغمًا عنه، متخليًا عن أحلامه الصعلوكية.

من أبرز ما يميّز النص المسرحي قدرة السلاموني على توظيف الحوار ليكون أداة تحليل نفسي وفكري في آن. فالحوارات ليست مجرد تبادل للحديث بين الشخصيات، بل هي صراع فكري وفلسفي بين قيم الحرية والشرف، بين صوت الأب/المجتمع الذي يطالب بالثأر، وصوت الابن/الفرد الذي يحلم بالانفلات من كل قيد.
يظهر الحوار هنا كمحرّك للبنية الدرامية، فهو يفضح الصراع الداخلي للشخصيات، وخاصة شخصية البطل، ويجعل من كل مشهد منصة مواجهة بين مفاهيم متضادة، كالحياة والموت، الشعر والسيف، الفرد والجماعة. كذلك، فإن وجود الكورس (أو الجوقة) في المسرحية، كمعلّق ومحلّل ومشارك رمزي، يعزز البعد التراجيدي للنص، ويمنحه طابعًا احتفاليًا تراثيًا يذكّرنا بتقاليد المسرح اليوناني، ويمنح النص عمقًا فلسفيًا.

لعل من أكثر عناصر المسرحية تميزًا هو رسم الشخصيات الرئيسية، وفي مقدمتها شخصية امرؤ القيس التي جاءت مركّبة، تعيش تمزقًا حقيقيًا بين عالمين. كما يظهر الأب/الملك حجر بن الحارث كممثل صلب للعرف والسلطة والتاريخ، في حين تمثل المرأة في المسرحية رموزًا متعددة، منها الحبيبة والملهمة والعاشقة والمأساوية. الشخصيات هنا ليست جامدة، بل تنمو وتتكشف تدريجيًا، وتتفاعل مع الأحداث لتعبّر عن الصراع العام من خلال أزماتها الخاصة.
تتجلى براعة السلاموني في توظيفه لمفهومي القدر والنبوءة داخل المسرحية، حيث يبدو الثأر وكأنه قدر محتوم لا فكاك منه، تسير نحوه الشخصية وهي تدري أنها ماضية إلى الهلاك. يشبه هذا التناول إلى حد بعيد التراجيديات الإغريقية، حيث يعرف البطل مصيره لكنه لا يستطيع تفاديه، مما يزيد من عمق المأساة ويُشعر المتلقي بعبثية منطق الدم حين يصبح الإنسان آلة تحركها النبوءات والأعراف.
ما يميز هذا التناول هو أنه يأتي من باحثة (بسانت) تأثرت شخصيًا بآثار هذه الظاهرة في محيطها المجتمعي، ما منحها قدرة خاصة على قراءة النص المسرحي من زوايا إنسانية ونفسية عميقة. وتؤكد هذه الدراسة على أن ظاهرة الثأر ما زالت حيّة في بعض المجتمعات الريفية والصعيدية المصرية، رغم زوال أسبابها التاريخية، وأن الأدب والمسرح قادران على إعادة طرحها بطريقة تحفّز على التأمل والمراجعة، لا على التلقين أو التحريض.
من اللافت أن المسرحية، رغم قيمتها الفنية والفكرية، لم تحظَ بالاهتمام النقدي الكافي عند عرضها في الثمانينيات باسم "أمير الصعاليك"، حيث تعرّضت لتعديلات إخراجية حذفت مشاهد أساسية منها، مما أثّر على تلقيها الكامل. ويُذكر أن الناقد الدكتور عبد الغفار القط لم يُعطِ المسرحية حقها من القراءة، بل بنى حكمه على عرض مختزل، وهو ما يكشف مأساة أخرى تواجه المسرح الجاد في مصر، وهي مأساة التلقي النقدي الناقص.

إن مسرحية "الثأر ورحلة العذاب" لأبو العلا السلاموني لا تنتمي فقط إلى مسرح التراجيديا، بل إلى المسرح الذي يُراد له أن يكون ضمير المجتمع. إنها صرخة ضد القدر الذي يصنعه الإنسان لنفسه تحت وهم الكرامة الزائفة، وضد منظومة كاملة من الأعراف التي تحول الدم إلى قانون. ومن خلال استلهام التراث العربي والجاهلي، أعاد السلاموني تشكيل المأساة بوعي معاصر، رافعًا صوت الفن في وجه الموت المجتمعي البطيء.
وما أحوجنا اليوم إلى إعادة إحياء مثل هذه الأعمال التي تنقّب في الجذور وتكشف عمق الجرح، ليس لمجرد التحسر على ما كان، بل لتذكير الأجيال الجديدة بأن الشرف لا يكون بالانتقام، بل بالوعي، وبأن المسرح ليس مجرد ترف فكري، بل ضرورة اجتماعية لبناء الإنسان الحر.