أحمد محمود
لا يُعرف بالتحديد أصل كلمة "يانكي"، ولكن وفقًا لقاموس "ميريام ويبستر" فإن لفظ "اليانكي" بدأ كإهانة، استخدمه الجنرال البريطاني "جيمس وولف" في رسالة عام 1758 للتعبير عن رأيه المتدني في قوات نيو إنجلاند المُخصصة له في المُستعمرة الجديدة، كما يوجد تقرير عن استخدام القوات البريطانية لليانكي كمصطلح إساءة لمواطني بوسطن من نفس الفترة الزمنية تقريبًا.
ومع ذلك، وفي عام 1775، بعد أن أظهرت معارك "ليكسينغتون" و"كونكورد" أن المُستعمرين الجدد في أمريكا يمكنهم الوقوف في وجه النظاميين البريطانيين، تم تبني مصطلح "اليانكي" بفخر من قبل هؤلاء المُستعمرين كوصف ذاتي يتحدى الازدراء البريطاني لهم.
المُهم في هذه الرواية هو أن "اليانكي" هم مُستعمرون يبحثون دائمًا عن الفرص في الأراضي الجديدة، للاستيلاء عليها، وعلى ثرواتها، ولا يهمهم مصير السكان الأصليين، بل رُبما يمعنون في القضاء عليهم، والاستيلاء على أراضيهم بكل وحشية، وبلا هوادة، تمامًا كما فعلوا مع السكان الأصليين من الهنود الحمر، وهو بالضبط ما ينتوي فعله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رغم وعوده للغزيين بتطوير المنطقة لتصبح ريفييرا الشرق، لكن التاريخ يخبرنا أن "اليانكي" قدموا وعودًا كثيرة مماثلة للهنود الحمر، ثم وضعوهم في مُستعمرات، وقضوا عليهم بطرق وحشية، بعد أن نزعوا عنهم سلاح المقاومة أيضًا.
أما تعريف "الهاجاناه" وفقًا لموسوعة المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، فهي كلمة من اللغة العبرية وتعني الدفاع، وتُشير إلى عصابة عسكرية "يهودية - صهيونية"، تأسست في عام 1920 في مؤتمر حزب "أحدوت هعفودا"، واعتبر مؤسسو هذه العصابة أنها امتدادًا لعصابة "هشومير".
ومن بين أهداف هذه العصابة عمليات الدفاع عن المهاجرين اليهود والمُتسللين منهم إلى فلسطين، والسعي إلى الدفاع عن المُستوطنات في مواجهة العدو البريطاني، على حد تعبير قياديي هذه العصابة، وارتبطت هذه العصابة مُنذ تشكيلها بمنظمة العمال العامة "الهستدروت"، والحركة الاستيطانية الصهيونية في فلسطين.
اهتمت العصابة بعقد صفقات لشراء أسلحة، وتنظيم عمليات تدريبية على مُختلف أنواع الأسلحة، وطُرق القتال والمُحاربة، وقامت قيادتها بشراء أسلحة من خارج فلسطين، ونظمت عمليات تهريبها وإدخالها إلى فلسطين، وقسم آخر من الأسلحة أنتجته في مصانع وورش صغيرة أُعدّت لهذه الغاية في الكيبوتسات بعيدًا عن عيون الإنجليز، بالإضافة إلى الأسلحة التي تمت سرقتها وإيداعها في مخازن الكيبوتسات والمُستوطنات لساعة الحاجة، وتمت إقامة قيادة عليا لـ"الهاجاناه" عام 1939، وتولى قيادتها يعقوب دوري، الذي أصبح فيما بعد أول رئيس لهيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي.
تُشير الموسوعة أيضًا إلى أن المئات من أعضاء "الهاجاناه" قد انخرطوا في صفوف الجيش البريطاني لدعم بريطانيا والحلفاء في حربها ضد النازية وحلفائها، وكسب هؤلاء خبرة واسعة جدًا في استخدام الأسلحة، شعر الإنجليز باقتراب خطر الألمان عندما وصلوا إلى الحدود "المصرية - الليبية"، فقاموا بتأسيس مُنظمة "البالماح" كجزء من "الهاجاناه" للقيام بمهام خاصة ضد الألمان في حال اقترابهم إلى فلسطين.
ولمّا أصبح الخطر النازي بعيدًا عن فلسطين، عادت بريطانيا لاتباع أسلوب مُعارضة العمل العسكري اليهودي، فتحولت منظمة "البالماح" إلى عصابة سرية تعمل مع "الهاجاناه" ضد الانجليز والعرب، وعندما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها نشط أعضاء "الهاجاناه" و"البالماح" في تنفيذ عمليات إرهابية ضد مواقع عسكرية ومدنية إنجليزية في مُختلف مُدن ومواقع فلسطين، فتمت عمليات تفجير جسور وخطوط سكك حديدية، وذلك كله بالتنسيق والاتفاق مع عصابتي "ايتسيل" و"ليحي".
ما يسعى إليه الرئيس الأمريكي في غزة، هو بالضبط ما فعله المُستعمرون البريطانيون الأوائل للقارة الأمريكية، وهو الاستيلاء على الأرض والثروات الفلسطينية، والكميات الهائلة من الغاز، في الحقول الواقعة على شواطئ غزة، فهو يفعل ما فعله البريطانيون تمامًا باستغلال العصابات اليهودية في فلسطين، لإخلاء القطاع وتسهيل الاستيلاء عليه.
لكن السؤال الحقيقي، ماذا سيحدث بعد ذلك؟ هل ستستسلم عصابة "الهاجاناه" لأحلام المغامر الأمريكي، أم أنها بعد أن ينتهي الأمريكي من خطته، ستُعيد الكرة، بالهجوم عليه، تمامًا كما فعلت مع البريطانيين الذين مكنوها من فلسطين في البداية أصلًا؟ّ.
وأخيرًا، فإنني أعتقد أنه ينبغي علينا الانتظار قليلًا لمعرفة ما ستسفر عنه الأحداث، على الرغم من أنني أظن، أن التاريخ سيُعيد نفسه، وأنه على الرغم من التفوق العسكري والاقتصادي الكبير للولايات المتحدة الأمريكية، إلا أنه يمكن توقع أن يكون مصيرها تمامًا مثل مصير الإمبراطورية البريطانية، التي كانت مساوية في زمنها لنفس قوة الولايات الأمريكية الآن بمعايير العصر، لكنها انهارت بسبب تلك المُغامرات التي قامت بها في بلاد بعيدة عن شواطئها، وهو ما تفعله الولايات المُتحدة أيضًا بامتياز، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وحتى الآن بمنتهى الصلف والغرور أيضًا.