رامي زهدي
إن هذا اليوم ليس مجرّد مناسبة احتفالية، بل تذكير حيّ ومستمر بأن إفريقيا لا تنتظر من يكتب تاريخها، بل تنهض لتكتبه بيديها، بوعي شعوبها، وبحكمة قادتها، وبإبداع شبابها، وبثقة نخبها المثقفة والمفكّرة.
عندما اجتمع القادة المؤسسون في أديس أبابا قبل 62 عامًا، لم يكن الحلم سهلاً ولا الطريق ممهّدًا، لكن إرادتهم المشتركة كانت كافية لتأسيس كيان قاري هو الأول من نوعه في العالم النامي. تحوّلت المنظمة لاحقًا إلى الاتحاد الإفريقي، في تعبير عن تطور الرؤية والمضمون، لكنها حافظت على جوهرها: إفريقيا أولًا، والتكامل لا الانقسام، والتنمية بالاعتماد على الذات.
ورغم التحرر السياسي في أغلب دول القارة، فإن أشكالًا جديدة من السيطرة ما زالت تُحاصر إفريقيا: من التبعية الاقتصادية، إلى الهشاشة المؤسسية، إلى الهيمنة الثقافية. اليوم، أصبح لزامًا على القارة أن تتحرر من هذه الأغلال الحديثة، ليس عبر الشعارات، بل بالعمل المتكامل لبناء إفريقيا تُنتج غذاءها، وتُصنّع مواردها، وتبتكر مسارات تنميتها، وتكتب سياساتها بمعزل عن التدخلات الأجنبية.
وتأتي رؤية إفريقيا 2063 ليست كمجرد وثيقة تنموية، بل ميثاق قاري يُجسد طموحاتنا لبناء قارة موحدة، مزدهرة، يسودها السلم، ويقودها أبناؤها نحو العدالة والكرامة، وتكمن قوة هذه الرؤية في أنها لا تقتصر على الحكومات فقط، بل تشمل دورًا محوريًا للبرلمانات، والأحزاب، والجامعات، والمجتمع المدني، والنساء، والشباب، وجميع الفاعلين في الحياة العامة.
بل إن الديمقراطية المنشودة في إفريقيا يجب أن تنبع من واقعها، وتعكس تطلعات شعوبها، لا أن تكون نسخًا مستوردة من بيئات أخرى. فالحوار، والاحترام المتبادل، وبناء الثقة بين المجتمعات، هي السبيل لترسيخ نظم حكم رشيدة تعبر عن الروح الإفريقية الوطنية الأصيلة، وتخدم مصالح شعوبها.
في يوم إفريقيا، لا بد من توجيه التحية لأولئك الأبطال الذين يصنعون الأمل كل يوم، للمزارع الذي يطوّع التربة الجافة، للمعلم الذي يغرس المعرفة رغم ضعف الإمكانات، للطبيب الذي يداوي في القرى النائية، ولريادي الأعمال الذي يربط بين المعرفة والسوق، هؤلاء هم الامتداد الحقيقي لرموز إفريقيا العظام، نكروما، عبد الناصر، مانديلا، لومومبا، بومدين، وغيرهم ممن رسموا ملامح الهوية القارية.
واليوم، نحن بحاجة إلى فتح مسارات جديدة للتكامل بين شمال وجنوب القارة، وشرقها وغربها، ويجب أن يكون هذا التكامل عمليًا، يبدأ من البنية التحتية العابرة للحدود، مرورًا بالتبادل التجاري والتعليم والصحة والطاقة، وصولًا إلى سياسات منسقة في مواجهة التغيرات المناخية والأمن الغذائي والرقمي.
وليبقي الرهان على الإنسان الإفريقي، حيث لا خيار أمام إفريقيا سوى أن تستثمر في إنسانها، التعليم، والرعاية الصحية، والتنمية البشرية، هي أدوات النهضة الحقيقية، وشباب القارة، الذين يُشكلون أكثر من 70% من سكانها، هم القوة الكامنة التي يجب إطلاق طاقاتها، لا قمعها أو تهميشها.
فلنجعل من يوم إفريقيا لحظة تأمل، لا فقط في ما تحقق، بل فيما يجب أن يتحقق، لنكن على قدر المسؤولية التاريخية، في أن نكتب فصول نهضتنا بأيدينا، وأن نُطلق مشروعًا قاريًا يليق بإفريقيا التي نحبها، ونحلم بها، ونستحقها.
كل عام وإفريقيا أكثر وعيًا.. كل عام ونحن أقرب إلى قارة حرة، موحّدة، ومزدهرة.