شنودة فيكتور
ليس غريبًا عن تلك الأرض الطيبة، أن تُنجب أبطالًا كل يوم، وفي كل مكان، رُبما تكون أغلب بطولاتهم هي قصص كفاحهم في الحياة لتوفير حياة لائقة لهم وأسرهم، وأولادهم، وذويهم.
هي بطولة يعيش بها أغلب المصريين، أولاد البلد على مر سنوات التاريخ في كل شارع وحارة وزقاق وقرية ومركز بربوع مصرنا الحبيبة.
صدقوني، لا أبالغ هنا قولًا أن نفخر بتلك الصفات في صميم تكوين ونخاع الشخصية المصرية، وإلا ما كنا عبرنا العديد من الأزمات والتحديات، التي مر ويمُر بها هذا الوطن الخالد.
العم خالد محمد شوقي، سائق شاحنة المواد البترولية، الذي رحل شهيدًا لأسمى معاني وقيم الرجولة، والواجب، والشهامة، والبطولة، فهل هناك من كلمات تصف ما فعله هذا البطل؟!
قصدت أن أقول «العم» خالد، وليس «الأسطى» أو «الأُستاذ» ليس تقليلًا من قدر تلك الكلمات، لكن بقدر عظمة كلمة «العم» التي علمنا استخدامها آبائنا وأهالينا، ففي كل بيوت مصر حينما نتحدث عن «الكبير» نناديه بالـ«عم» أيًا ٍكان قدر تعليمه أو طبيعة عمله أو ثقافته، فهو «الكبير»، تلك هي الأصول.
«العم»، تلك الكلمة هي عنوان مقالنا في رثاء بطل نفخر ونعتز، بل ويجب أن نُثمن بطولته بتعليمها وتلقينها لأولادنا، وشبابنا، وأطفالنا، هذه هي الأخلاق، وتلك هي البطولة، أن تُفدي بروحك غيرك من الذين لا تعرفهم عن قرب، لكنهم أهلك، أبناء وطنك، شركائك على تلك الأرض الطيبة.
كم نريد أن نستدعي، ولو قدر بسيط من بطولة العم خالد في العديد من مواقف الحياة اليومية، وهي أبسط بكثير من بطولة وشهامة هذا الرجل العظيم، كم منا يرى يوميًا سلبية من البعض بمواقف تستدعي منه التدخل في الشارع أو المواصلات، ويظل كما هو لا يُحرك ساكنًا، بحجة «وأنا مالي»، و«مش عايز مشاكل ووجع دماغ».
تخيلوا لو كان هذا هو رد فعل العم خالد، ولسان حاله يقول: «أنا أنقذ نفسي، ومليش دعوة بغيري، أنا عندي بيتي وأولادي محتاجني، وملهمش غيري»، لكن البطل لم يُفكر في هذا أبدًا، وكان القرار في ثوان، أن يذهب بالسيارة بعيدًا قدر الإمكان لمحاولة تقليل قدر الخسائر بالأرواح، وهي الأهم من المُمتلكات، بل وأهم من حياته هو نفسه فكانت الإصابات والحروق شديدة جدًا، وصارت حياته ثمنًا غاليًا لتلك البطولة.
ليتني أستطيع أنا أسألك الآن، أخي العزيز الشهيد البطل، فيما كُنت تُفكر وقتها، ولم يكن لديك اختيارات سوى أن تصنع تلك التضحية والبطولة بكل تفاصيلها من شجاعة، وعظمة، وحُب، ليُخلد اسمك في سجل الأبطال، وهم لبنة، ونبتة، ونخاع، هذا الوطن العظيم.
رحم الله البطل الشهيد وأسكنه فسيح جناته، وألهم ذويه الصبر والسلوان.