رامي زهدي
وهي خطوة قارية طال انتظارها، تشكِّل حجر أساس نحو استعادة القارة الإفريقية لسيادتها الاقتصادية، وحقها الطبيعي في أن تقيِّم اقتصاداتها من زاوية إفريقية، وليس من منظار غربي مشوَّش بالمصالح السياسية، والتجارية.
"AfCRA" وكالة، وهي اختصار لـ African Credit Rating Agency، وتمثل مبادرة إفريقية مستقلة برعاية "جمعية مؤسسات التمويل الإفريقية"، و"بنك التنمية الإفريقي"، ويُعوَّل عليها أن تكسر احتكار الثلاث الكبار في عالم التصنيفات الائتمانية: "ستاندرد آند بورز"، و"موديز"، و"فيتش".
منذ نشأتها في أوائل القرن العشرين، سيطرت الوكالات الثلاث الكبرى على صناعة التصنيف الائتماني في العالم، حتى أصبحت آراؤها تُعد "أحكامًا سيادية" تتحكم في مصير الدول النامية، وخصوصًا الإفريقية.
وفي إفريقيا، تعرَّضت أكثر من 20 دولة منذ 2010 إلى تخفيضات ائتمانية "مُبالَغ فيها" - وفقًا لتقارير صادرة عن الاتحاد الإفريقي - على الرغم من أن بعضها كان يحقق نموًا اقتصاديًا متسارعًا، واستقرارًا ماليًا نسبيًا.
في عام 2022 - على سبيل المثال - تم تخفيض التصنيف الائتماني لـ غانا من قِبَل وكالتين عالميتين في ذروة جائحة كوفيد-19، على الرغم من أدائها المقبول في التعامل مع الأزمة؛ مما أدى إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض السيادي بنسبة 17%، وفقًا لبيانات صندوق النقد الدولي.
هذا الخلل البنيوي في أدوات التصنيف العالمية خلق "حالة اغتراب" بين الدول الإفريقية، ومجتمع التمويل الدولي، وأنتج أزمة ثقة بين المستثمرين، وبين أسواق القارة الواعدة.
الوكالة الإفريقية AfCRA لا تدَّعي أنها قادرة فورًا على تعويض هيمنة الثلاث الكبار، ولكنها تُبنَى على رؤية استراتيجية مختلفة من خلال تصنيف قائم على السياق المحلي لا النموذج الغربي، حيث إن أغلب الوكالات الغربية تستخدم نماذج تقييم "موحدة" لا تأخذ في الاعتبار التباينات التنموية، أو الاجتماعية في إفريقيا.
بينما تسعى AfCRA إلى اعتماد مقاربات تراعي خصوصيات السياق الإفريقي؛ فالنموذج الجديد سيشمل مؤشرات مثل: مرونة الاقتصاد المحلي، وجهود الدولة في تحقيق التنمية المستدامة، كذلك معدلات التوظيف المحلي، واستثمارات البنية التحتية، والتقدم بصفة عامة في تحقيق أهداف أجندة إفريقيا 2063.
كما أنه ومن المتوقع أن تعتمد AfCRA على شبكة من الخبراء المحليين في مجالات: الاقتصاد والتمويل من أكثر من 30 دولة إفريقية، وذلك بدلًا من النماذج المركزية المعتمدة في الوكالات العالمية، التي غالبًا ما تفتقد للمعرفة الحقيقية بالسياقات المحلية.
وستحظي الوكالة الائتمانية الإفريقية الجديدة بدعم مؤسَّسي واسع داخل القارة؛ حيث يحظى المشروع بدعم قوي من مؤسسات؛ مثل: بنك التنمية الإفريقي، وصناديق التمويل الإقليمية، والبنوك المركزية الوطنية، مما يمنحه قاعدة سياسية ومالية قوية منذ لحظة انطلاقه.
الرهانات على الوكالة الجديدة AfCRA كبيرة، وتطلعات القارة نحوها أعلى أملًا في خفض كلفة الاقتراض السيادي؛ حيث تشير تقارير اقتصادية إلى أن الدول الإفريقية تتحمل فوائد تمويلية أعلى بنسبة 2.5 إلى 4% مقارنة بدول أخرى من التصنيف الائتماني نفسه، فقط؛ لأنها إفريقية!... AfCRA قد تساعد في إعادة تقييم هذه المعادلة.
وأيضًا، دعم إصدارات السندات الإفريقية من خلال توفير تصنيفات محلية وإقليمية موثوقة، حينئذٍ يمكن للمستثمرين التعامل بثقة أكبر مع سندات الدول الإفريقية دون انتظار "حكم الخارج"، والذي - غالبا - ما يكون مُوجَّه، ومُسيَّس، ومُدار للسيطرة، ولتوجيه إرادة الدول الإفريقية، وقرارتها السياسية والسيادية، وأحيانًا، عقاباََ لبعض الشعوب الإفريقية علي اختيارتها السياسية لقادتها إذا كانت هذه الاختيارات لا تحظي بالرضا والقبول الغربي الكافي.
أيضًا، من الأمور المهمة إعادة تعريف مفهوم المخاطر، فلن تعني "إفريقيا" تلقائيًا "مخاطرة عالية"؛ بل يمكن - عبر AfCRA - تقديم تصنيف متوازن يضع الفرص إلى جوار التحديات، وهو ما تحتاجه الأسواق الناشئة في القارة.. وفي ظل سعي جاد إلى خلق قاعدة بيانات مالية قارية؛ سوف تُخطط AfCRA لبناء منصة بيانات مالية شاملة تساعد على توحيد الرؤية حول الاقتصادات الإفريقية، وتخدم صُنّاع القرار والمستثمرين ومؤسسات التأمين والتمويل معًا.
وعلى الرغم من كل ما سبق، فالمعركة لن تكون سهلة؛ فالوكالات العالمية الثلاث تمتلك خبرة تراكمية تتجاوز 100 عام، وموارد مالية وتسويقية ضخمة، وكذلك تأثير مباشر على قرارات كبرى المؤسسات مثل البنك الدولي وصندوق النقد.
لكن ما تمتلكه الوكالة الجديدة AfCRA، ولا تمتلكه تلك الوكالات؛ هو الشرعية القارية، والسيادة في الرؤية، وعدالة المنهج. ويبقى التحدي الأكبر في الحوكمة والاحترافية. إذا لم تُدَر AfCRA بكفاءة، واستقلالية ونزاهة، وإذا لم تُبنَ على قواعد مهنية صارمة؛ فإنها ستكرر تجارب إفريقية كثيرة لم يكتب لها النجاح؛ بسبب غياب النُّظُم، والإدارة الرشيدة.
فلتعمل القارة بجد لنصل - يومًا ما قريبًا - إلى أنه "من تصنيفنا لأنفسنا.. تبدأ حريتنا الاقتصادية"؛ لذلك، فإن إطلاق وكالة تصنيف إفريقية ليس مجرد مشروع مالي، أو تنموي؛ بل هو خطوة سيادية على طريق التحرر من الاستعلاء المالي الغربي.
ولأول مرة منذ عقود، تتحول إفريقيا من كونها "موضوعًا" للتقييم إلى أن تكون صاحبة قرار ومعيار. فإذا نجحت AfCRA في أن تكون صوت القارة لا صدى للغرب؛ فإنها لن تنافس فقط؛ بل ستقود.
ومع وجود طموحات تكامل السوق المالية القارية، وتزايد مشروعات الربط الاقتصادي، فإن وكالة التصنيف الائتماني الإفريقية الجديدة AfCRA يمكن أن تصبح خلال سنوات قليلة مرجعية مركزية لا غنى عنها في كل ما يتعلق بتقييم المخاطر، وتمويل المشاريع، وترتيب أولويات الاستثمار في إفريقيا.
وختامًا، فإن "معركة التصنيف" هي معركة على العدالة، والسيادة، والمستقبل.. وAfCRA ليست مجرد رقم جديد في ساحة المنافسة العالمية؛ بل رمز لتحول عميق، وقادم لا يُستهان به.