البث المباشر الراديو 9090
حسام الدين الأمير
بعيدًا عن الصراع العالمي الجديد الذي تشهده الساحة الدولية ما بين إيران وإسرائيل ودخول الولايات المتحدة الأمريكية على الخط لضمان أمن إسرائيل، وبعيدًا عن كافة التطورات الدولية المتعلقة بالصراعات التي يشهدها العالم سواء الجيوسياسية أو الحدودية أو العرقية وغيرها من أوجه الصراع، مرَّ علينا خلال الساعات القليلة الماضية وتحديدًا يوم 19 يونيو ذكرى مناسبة "اليوم الدولي للقضاء على العنف الجنسي في حالات النزاع"، وهو اليوم الذي أقرّته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2015، بهدف رفع مستوى الوعي بضرورة القضاء على العنف الجنسي في حالات النزاع، وتكريم الضحايا والناجين، وتكريم جميع الأشخاص الذين حاربوا ضد هذا العنف.

وفي مقالي هذه المرة قررت أن أتحدث عن هذا اليوم لربط المشهد بين العنف الممنهج الذي تمارسه قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد المرأة والفتاة الفلسطينية المعتقلات الفلسطينيات في سجون الاحتلال، وبين نفس الكأس الذي تجرعته إسرائيل في نسائها وخروجهن عرايا وسط صخب وضجيج ودوي الانفجارات.

لكن في الحالة الأولى وهي ضد الفلسطينيات كان الأمر برمّته بفعل فاعل وممنهج، ويشهد على ذلك المجتمع العالمي بحكوماته وسياساته ومؤسساته ومنظماته، وأكدته التقارير الأممية ولجان تقصي الحقائق ورصدته ووثقته ونشرته وزارة شؤون المرأة الفلسطينية، وهو ما يؤكد أن المرأة الفلسطينية هي المتضرر الأول والأخير من جراء الهجوم الممنهج على قطاع غزة، حيث وثّقت الصور والأحداث والأرقام الانتهاكات المتواصلة بحق النساء والفتيات الفلسطينيات، وهنا الفاعل سلطات الاحتلال الإسرائيلية والمفعول به هنّ النساء الفلسطينيات، دون أي تحرك دولي لوضع حد للانتهاكات الجسيمة التي تمارس ضدهن داخل السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية.

وهنا لنا أن نعرف أنه وحسب ما ذكرته التقارير الدولية والتقارير الحقوقية ومراكز الرصد والتوثيق داخل الأراضي الفلسطينية، فإن سلطات الاحتلال استهدفت بشكل أساسي النساء والفتيات الفلسطينيات مستخدمة الاعتقال التعسفي، والتعذيب، والعنف الجنسي، وسياسة الإخفاء القسري، كأدوات ممنهجة لإخضاع النساء واستهداف كرامتهن الإنسانية.

ولنا أن نعرف أنه منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى أسابيع قليلة مضت، تم اعتقال أكثر من 510 امرأة، لا تزال 29 منهن رهن الاعتقال حتى منتصف أبريل الماضي 2025، في ظل ظروف احتجاز قاسية تنتهك القوانين والمعاهدات الدولية.

واليوم وهذه الذكرى تمر علينا لا نجد أي ردّ فعل دولي تجاه ما يحدث في الأراضي الفلسطينية بحق المرأة والفتاة، وليس هذا فحسب، بل إن المجتمع الدولي الخانع للسياسة الأمريكية خرج علينا ليدين الهجمات الإيرانية على إسرائيل واستهداف المنشآت والمستشفيات، رغم أن إسرائيل هي من بدأت، وإذا عدنا بالذاكرة فسنجد أن إسرائيل هي التي بدأت كافة الصراعات خلال الفترة الماضية.

وهي من اتخذت قرار التصعيد ضد سوريا ولبنان وفلسطين وإيران واليمن وغيرها من الدول التي باتت ساحة صراع عالمي ودولي دون أي رادع من المجتمع الدولي ومجلس الأمن لهذه السياسات القذرة والحرب الموجهة التي تستهدف بشكل أساسي تقويض منطقة الشرق الأوسط وجعلها ساحة حرب وأيضًا الضغط على مصر بشأن القضية الفلسطينية وفتح أراضيها لتهجير الفلسطينيين، وهو ما رفضته مصر شكلًا وموضوعًا، لنجد ما يُسمى قافلة الصمود التي قررت بعد سنة وقرابة الثمانية شهور أن تخرج لكسر الحصار عن غزة.

والسؤال هنا: لماذا لم تفكر هذه القافلة ومن أطلقوها في كسر الحصار وقت الاعتداء الإسرائيلي على المواطنين العزَّل واستهداف المستشفيات والمدارس ومناطق الإيواء، ووقت منع إسرائيل دخول المساعدات والأدوية أو حتى عبور الجرحى، وغيرها من الإشكاليات التي كانت تمر على المشهد الفلسطيني ساعة بساعة من وقت بدء عملية طوفان الأقصى والسيوف الحديدية؟

وبالعودة مرة أخرى إلى اليوم الدولي للقضاء على العنف الجنسي في حالات النزاع، لنا أن نعرف أن وزارة شؤون المرأة الفلسطينية أكدت أن ما تتعرض له المعتقلات في سجون الاحتلال ليس مجرد انتهاكات فردية، بل سياسة ممنهجة تقوم على استخدام أجساد النساء كأداة حرب، وكرامتهن ساحة للعقاب الجماعي.

ليس هذا فحسب، بل أكدت الوزارة أننا أمام منظومة قمعية تتعمد إذلال النساء من لحظة الاعتقال حتى بعد الإفراج، عبر التعذيب والإهمال الطبي والتحرش والإخفاء القسري والعزل الانفرادي.

وأصبح ما يُمارس بحق الفلسطينيات نمطًا يوميًا من الانتهاك القائم على النوع الاجتماعي في سياق الاحتلال العسكري، ويتقاطع مع ما ورد في تقارير أممية ومحلية تؤكد أن العنف ضد النساء الفلسطينيات يُستخدم كسلاح سياسي في وجه شعب بأكمله.

وثمة تقرير صدر في يوم الأسير الفلسطيني، أكد أن حرية الأسيرات ليست قضية إنسانية فحسب، بل اختبار أخلاقي وقانوني للمجتمع الدولي، وأنه بات على العالم أن يتحمل مسؤوليته القانونية، ويضمن حماية النساء بموجب القوانين الدولية والقرارات الأممية، وأنه بات على الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمجلس الدولي لحقوق الإنسان الضغط على سلطات الاحتلال للإفراج الفوري عن الأسيرات الفلسطينيات، وتشكيل لجان تقصي حقائق دولية بشأن أوضاع النساء في سجون الاحتلال.

وقالت الأرقام، إن 28 ألف امرأة وفتاة قُتلن منذ بداية الصراع في غزة، وأن عشرات الآلاف وضعن أطفالهن تحت القصف والحصار دون حماية أو رعاية في ظل سوء التغذية والتشرد والصدمات النفسية.

وبعيدًا عما يحدث على الساحة الدولية في فلسطين وإسرائيل، فإن المرأة بشكل عام هي المتضرر الأول في الدول التي تشهد صراعات ونزاعات سواء سياسية أو مذهبية أو عرقية، ويؤكد ذلك ما حدث للنساء والفتيات في لبنان والسودان وسوريا والعراق واليمن ومالي وتشاد والنيجر، سواء من قتل وتشريد أو تعذيب، هذا بخلاف المعاناة من النزوح، حيث تكون النساء المتضرر الأول، حيث تتعرض المرأة في هذه المناطق إلى مجموعة متنوعة من المخاطر والانتهاكات، في مقدمتها العنف الجنسي بما في ذلك الاغتصاب والتحرش، كأداة حرب ووسيلة لترويع السكان، وأيضًا النزوح والتشرد حيث تفقد المرأة منازلها ومصادر رزقها وتواجه الظروف المعيشية الصعبة في المخيمات، ناهيك عن الصدمات النفسية وفقدان مصادر الدخل وتدهور الأوضاع الاقتصادية، بل قد تجد المرأة نفسها مجبرة على تولي مسؤوليات جديدة في غياب العائل، مما يضع عليها أعباء إضافية، هذا بخلاف تعرضها للتهميش والتمييز وارتفاع معدلات الوفيات بينهن وتجاهل احتياجاتهن في المساعدات الإنسانية.

وفي تقرير لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، أكد ارتفاع معدل الوفيات والعنف ضد المرأة في ظل تجاهل صارخ ومتزايد للقانون الدولي، حيث أشار التقرير إلى أن النساء في مناطق الحرب يعانين بشكل متزايد من محدودية الوصول إلى الرعاية الصحية. فعلى سبيل المثال تموت 500 امرأة وفتاة يوميًا في البلدان المتأثرة بالنزاعات بسبب مضاعفات تتعلق بالحمل والولادة.

وبالعودة إلى التقارير الأممية على مستوى دول الصراع والنزاع، فإنه بنهاية شهر مايو من العام الجاري وثّقت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان 368 حادثة عنف جنسي مرتبطة بالنزاع في السودان، شملت ما لا يقل عن 521 ضحية كان أكثر من نصفهم حالات اغتصاب فردي وجماعي، وأن هذه الأرقام جزء صغير من الصورة الحقيقية مقارنةً بمئات الحوادث التي لا يتم الإبلاغ عنها بسبب الوصمة والخوف من الانتقام وانهيار النظم الطبية والقانونية في بعض المناطق.

ليس هذا فحسب، بل إن التقارير الأممية أكدت أنه في العديد من النزاعات، تصبح أجساد النساء ساحات معارك - ليس فقط من خلال العنف الجنسي، ولكن من خلال الحرمان المتعمد من الحقوق الإنجابية والخدمات الصحية.

وفي اليمن، قالت تقارير وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية إن الوضع الإنساني يتدهور، كما أن سوء التغذية يؤثر على 1.4 مليون امرأة حامل ومرضعة، مما يعرض الأمهات والمواليد الجدد لخطر جسيم، وبشكل عام تحتاج 9.6 مليون امرأة وفتاة إلى مساعدة إنسانية منقذة للحياة بشكل حاد، حيث يواجهن الجوع والعنف ونظام رعاية صحية مُنهارًا.

وفي اليمن أيضًا نزح أكثر من 4.3 مليون شخص داخليًا بسبب الحرب، كان نصفهم من النساء والفتيات، حيث تواجه هؤلاء النساء تحديات قاسية، تشمل الحرمان من الأمن الغذائي والخدمات الصحية.

وفي سوريا تعاني النساء من عنف مضاعف يشمل العنف القائم على النوع الاجتماعي، والزواج المبكر، والاتجار بالبشر نتيجة الفقر وغياب القانون.

وفي العراق يشكلن النازحات أكثر من 50% من سكان المخيمات، وهو ما أعلنته منظمة الهجرة الدولية. وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن النزاعات المسلحة تزيد من معدلات الفقر بين النساء بشكل كبير؛ إذ إن النساء في البلدان المتأثرة بالحروب أكثر عرضة للعيش بأقل من دولارين يوميًا، كما تؤدي هذه النزاعات إلى تصاعد حالات العنف والاستغلال ضد النساء.

وهنا بات علينا التأكيد أن ما تشهده المرأة في كافة مناطق النزاع والصراع يحدث وسط صمت تام من المجتمع الدولي وازدواجية في المعايير، وفي اليوم الدولي للقضاء على العنف الجنسي في حالات النزاع، لا يكفي أن ندين أو نرصد، بل علينا أن نحاسب، وأن نكفّ عن اعتبار أجساد النساء ساحة حرب، وأن ندرك أن كل انتهاك يحدث في ظل صمت العالم هو جريمة مضاعفة.

وعلينا أن نقول للمجتمع الدولي إنه من فلسطين إلى السودان، ومن اليمن إلى كل بقعة منسية، هناك نساء يصرخن… ليس فقط من الألم، بل من تجاهل العالم، وهنا علينا أن نصغي إليهن ونقف معهن، فإنّ إنهاء العنف الجنسي في النزاعات ليس ترفًا إنسانيًا، بل هو واجب أخلاقي وقانوني، وشرط أساسي لتحقيق السلام الحقيقي.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز