رامي زهدي
ومع أن إفريقيا تمتلك المقومات التي تؤهلها لتكون لاعبًا محوريًا في الاقتصاد العالمي، فإن قدرتها على جذب الاستثمار الأجنبي المباشر "FDI" ما تزال تواجه مزيجًا معقدًا من الشروط والمحددات، تتداخل فيها العوامل السياسية والاقتصادية والتشريعية، مع بيئة الأعمال والهياكل الاجتماعية.
فجذب الاستثمار الأجنبي في إفريقيا، والمحددات الحاكمة له، إضافة إلي تحليل الفرص الكبرى المتاحة، والتحديات العميقة الكامنة في البنية الإفريقية الراهنة - تحتاج إلى تفهُّم كبير، وامتلاك بيانات مُحدَّثة، ورؤية استراتيجية مستقبلية تتيح التعامل مع القارة الإفريقية "الصعبة - السهلة"، أو "السهل الممتنع".
بحسب تقرير الاستثمار العالمي 2024 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD)، بلغت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى إفريقيا نحو 53 مليار دولار عام 2023، بزيادة طفيفة عن عام 2022. وتتركز تلك الاستثمارات بنسبة تفوق 65% في خمس دول فقط: مصر، جنوب إفريقيا، نيجيريا، المغرب، وإثيوبيا.
ومع أن القارة تضم أكثر من 1.4 مليار نسمة، و60% من الأراضي الزراعية غير المستغلة في العالم، و40% من الذهب، و90% من الكروم والبلاتين، وقرابة ثلث احتياطي العالم من المعادن النادرة اللازمة للثورة الصناعية الرابعة - فإنها ما تزال تحصل على أقل من 4% فقط من إجمالي الاستثمار الأجنبي العالمي.
ربما لأن هناك شروطًا حاكمة، ومؤثرة في جذب الاستثمار الأجنبي إلى إفريقيا، منها الاستقرار السياسي والأمني؛ حيث يُعد هذا الشرط أساسيًا، فالاستثمار لا يبحث فقط، عن العائد؛ بل أيضًا عن الأمان. والقارة الإفريقية تعاني من بؤر توتر مسلحة، ونزاعات داخلية وإقليمية؛ كما في السودان، الكونغو الديمقراطية، منطقة الساحل، وشمال نيجيريا، ويظل تحقيق الأمن والاستقرار شرطًا سابقًا لأي تدفق استثماري جاد.
أيضًا، جودة واستمرارية الإصلاحات التشريعية، والقانونية، معظم القوانين المتعلقة بملكية الأصول، وتحويل الأرباح، وحماية المستثمر، وتسوية المنازعات، وتيسير التراخيص، ما تزال في كثير من الدول الإفريقية إما غير مستقرة، أو غير مُفعَّلة بشكل كافٍ؛ بل إن بعض الدول لا تمتلك - حتى اليوم - محاكم اقتصادية متخصصة، أو آليات بديلة فعَّالة لحل المنازعات.
كذلك تكامل البنية التحتية؛ حيث إن الطرق، والسكك الحديدية، والمواني، والكهرباء، وشبكات الإنترنت؛ جميعها تمثل العمود الفقري لجاذبية أي دولة للاستثمار. تكلفة نقل البضائع داخل إفريقيا هي الأعلى عالميًا، وتصل أحيانًا إلى أكثر من 3 أضعاف المتوسط العالمي.
ثم إجراءات الحوكمة والشفافية ومكافحة الفساد،فتعد شفافية الإجراءات الحكومية وغياب الفساد الإداري والمالي من العوامل الحاسمة، وهو ما ينعكس على ترتيب الدول الإفريقية في مؤشرات الشفافية الدولية، وسهولة ممارسة الأعمال.
بخلاف ما سبق هناك محددات كبرى لتدفقات الاستثمار الأجنبي إلى إفريقيا، في مقدمتها العلاقات الجيوسياسية، حيث تتأثر الاستثمارات بتوجهات الدول الكبرى نحو القارة؛ فالصين تنتهج "دبلوماسية البنية التحتية"، بينما تسعى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لخلق توازن نفوذ من خلال مبادرات؛ مثل: "مشروع الممر الاقتصادي الهندي الأوروبي"، و"الشراكة من أجل البنية التحتية العالمية".
كذلك توفر السوق والطلب المحلي، حيث تُفضّل بعض القطاعات التوسع في الأسواق ذات الكثافة السكانية العالية، والمستوى المعيشي المتنامي، مثل نيجيريا ومصر، فيما تحجم عن دول صغيرة، أو غير متصلة إقليميًا.
وكذلك معيار التكامل الإقليمي، فعلي الرغم من انطلاق اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية "AfCFTA" منذ 2021، فإن التنفيذ ما يزال بطيئًا، ومحدود التأثير. في وقت مؤكد فيه أن تفعيل هذه الاتفاقية سيعزز من جاذبية إفريقيا كمجموعة سوقية واحدة.
ومن المحددات المهمة، توفر الكفاءات والموارد البشرية؛ حيث يعاني كثير من المستثمرين من نقص الأيدي العاملة الماهرة، وهو ما يستدعي تفعيل برامج التدريب الفني والمهني، وتشجيع توطين التكنولوجيا، لا استيرادها فحسب.
وبصفة عامة، تتمثل أبرز القطاعات الواعدة للاستثمار في إفريقيا في قطاعات الطاقة المتجددة، حيث إن القارة تمتلك أعلى إشعاع شمسي عالمي، وفرصًا ضخمة في مجال طاقة الرياح، والطاقة الكهرومائية، والهيدروجين الأخضر.
وقطاعات الزراعة، والصناعات الغذائية، في وقت تمتلك إفريقيا فيه 60% من الأراضي الزراعية غير المستغلة عالميًا، ولكنها ما تزال تستورد بأكثر من 35 مليار دولار من الأغذية سنويًا.
أيضًا، قطاعات الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا المالية، حيث إن أكثر من 60% من السكان تحت سن 25، وتزايد الاعتماد على الهواتف الذكية، وهذا يمثل بيئة خصبة للاستثمار في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
ومن أهم القطاعات، قطاعات البنية التحتية في وقت تُقدَّر حاجة إفريقيا للبنية التحتية بنحو 170 مليار دولار سنويًا، بينما المتاح لا يتجاوز 85 مليار دولار.
والقطاع التعديني في المعادن الخضراء، مثل: الكوبالت، الليثيوم، والنيكل، اللازمة لصناعة البطاريات والسيارات الكهربائية، مع توقعات بارتفاع الطلب العالمي بنسبة تفوق 400% حتى 2035.
لكن الأمور لاتسير دائما كما يُرجَى؛ فالتحديات التي تعيق تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر في القارة متعددة ومتشعبة، منها ضعف الاندماج الإقليمي وعدم فعالية آليات الربط بين الدول، والعقبات الجمركية والبيروقراطية. وكذلك استمرار النزاعات، وانتشار الجماعات المسلحة، إضافة إلى هشاشة البنية التحتية في بعض الدول، وانعدام الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى في بعض الحكومات الإفريقية، وكذلك ضعف نظم الحوكمة المالية والمصرفية، وشح التمويل المحلي كرافعة موازية للمستثمر الأجنبي.
لذلك؛ مطلوب من إفريقيا إجراءات وسياسات أكثر مرونة وتقدمية واحترافية لتعزيز قدرتها الاستثمارية مثل توحيد الأطر الضريبية والجمركية بين الدول الإفريقية؛ لدعم الاستثمار الإقليمي، والعمل علي تعزيز دور القطاع الخاص المحلي ليكون شريكًا استثماريًا حقيقيًا، ودراسة إمكانية إطلاق منصات وطنية رقمية موحدة لتسهيل تسجيل الشركات والحصول على التراخيص، إضافة إلى التركيز على مشروعات البنية التحتية الإقليمية المشتركة بدعم من مؤسسات التمويل الإفريقية، والعمل على إصلاح منظومة التعليم الفني والتدريب المهني وتوجيهها لاحتياجات المستثمرين.
ومن المهم جدا، مواجهة الفساد بحزم وتفعيل نظم الرقابة.
إن جذب الاستثمار الأجنبي إلى إفريقيا ليس مجرد عملية اقتصادية؛ بل هو رهان استراتيجي على المستقبل، فالقارة لا تحتاج فقط إلى تدفقات رأسمالية، بل إلى شراكات تنموية حقيقية، تنقل التكنولوجيا، وتخلق فرص عمل، وتبني سلاسل قيمة مضافة إفريقية.
ولتحقيق ذلك؛ يجب أن تتحدث إفريقيا بصوتٍ واحد، وتفاوض بعقل جماعي، وتبني نموذجها التنموي الذاتي، بعيدًا عن الارتهان إلى أجندات الآخرين.
"فإفريقيا ليست قارة تعاني من "نقص الفرص"؛ بل هي قارة تعاني من غياب الاستعداد لالتقاط الفرص".