شنودة فيكتور
تذكرت تلك الكلمات الرائعة من تتر المسلسل الخالد «أرابيسك» في منتصف تسعينيات القرن الماضي، كلمات الشاعر الكبير سيد حجاب، وألحان الموسيقار الراحل عمار الشريعي، وبطولة الفنان القدير صلاح السعدني، كلمات تشع بالجمال، وتفيض بمفردات الحارة المصرية الأصيلة، وتستحضر ثقافة الناس من قلب أعرق أحياء القاهرة الفاطمية، من دروب التاريخ ومحراب الأخلاق.
وكأنها كانت خلاصة عطر القيم الجميلة لبطل المسلسل «حسن أرابيسك»، تلك القيم التي افتقدنا منها الكثير في أيامنا هذه، وسط هموم الحياة، وتحدياتها، وتقلبات النفوس، وأطماع الناس، وغيرها من الصفات، التي انتشرت مع تغيرات الواقع وضغوط العصر.
لقد أصبحت الأخلاق والأصول والشهامة صفات نسمع عنها من الأهل، أو نقرؤها في كتب التراث، أو نرددها بانبهار في تترات بعض الأعمال الدرامية، ونتعجب حين نراها مُجسدة في مواقف نادرة لأشخاص ما زالوا متمسكين بتلك المرجعيات الأخلاقية، وسط صراعات الحياة في كل مناحيها.
لكن، دعونا نتوقف قليلاً، ونتأمل معاني تلك الكلمات، وعظمة تلك الصفات، وأصالة تلك الأخلاق، كم مرة جلسنا في حديث ودي مع الأصدقاء أو الأقارب، وقلنا عن شخص ما «ده ابن بلد ـ جدع ـ بيفهم في الأصول ـ متربّي على طبلية أبوه ـ الله يبارك له كله؟!»، نُثني على هذه الأخلاقيات، ونشيد بصاحبها، بل ونسخر من عكسها في هذا الزمان الصعب.
لكن، هل نكتفي بالمديح؟
هل نحاول فعلاً أن نزرع هذه الأخلاقيات في أولادنا؟
هل نُعدّ هذا الجيل الجديد، الذي فتحت عيناه على زمن العولمة، ليحمل تلك القيم، ويستوعبها، ويعيش بها؟
الواقع يقول إننا نعيش عصرا مذهلا من التطور، بلغ ذروته في الشهور الأخيرة بما يُعرف بالذكاء الاصطناعي، حتى بات كل شيء في متناول أيدينا بمجرد لمسة على شاشة ذكية.
تطور مذهل، يسحر العقول، ويسهل الحياة في شتى المجالات، ولا أحد يمكنه أن ينكر فضله.
لكن، ماذا لو فقد هذا التطور بُعده الإنساني؟ ماذا لو تخلّى عن الأخلاق، والدين، والقيم؟ كيف ستكون علاقات البشر؟ كيف ستُدار حياتنا؟ هل سنتحوّل إلى كائنات أقرب إلى الروبوتات؟
هل سيُصبح المرجع الوحيد لنا هو ما تمليه علينا تلك الأجهزة والأنظمة الذكية؟ أم أننا مطالبون، أكثر من أي وقت مضى، بأن نحمي جذورنا، ونُحيي القيم التي شكّلت هوية هذا المجتمع المصري الجميل؟..
لسنا ضد التطور، فهو سُنّة الحياة، بل سبب رئيس في رفاهيتنا الحالية، لكننا بحاجة إلى «توازن».. إلى جهد مضاعف نبذله في التربية والتعليم، في الإعلام والثقافة، في الأسرة والشارع، لحماية ما تبقى من منظومة القيم التي ميزت مصر، وأعطتها خصوصية ثقافية وإنسانية فريدة.
فلتكن رسالتنا للأبناء، وللجيل الجديد: «تعلم، تطوّر، تفاعل مع العالم، لكن لا تنسَ أصولك. لا تنسَ دينك، لا تنسَ طبلية أبيك، حتى لا نندم في وقت لا ينفع فيه الندم».