أحمد محمود
والحقيقة أن هذا الموضوع أعادني إلى البحث في تطور تأثير منصات التواصل الاجتماعي في مصر، والتي شهدت تحولًا جذريًا، حيث لم تعد مجرد مساحة للتواصل الشخصي، أو متابعة الأخبار؛ بل تحولت إلى ساحة مفتوحة للجدل، والصراعات التي تعكس وتُشكِّل - في آنٍ واحد - جزءًا كبيرًا من الواقع المصري، حيث أصبحت "الخناقة"، أو المشاجرة الرقمية طقسًا يوميًا، وتطور شكلها، ومضمونها بشكلٍ لافت، من نقاشات سياسية حادة إلى معارك شخصية، وسياسية، واجتماعية، تدور رحاها أمام آلاف وربما ملايين المتابعين.
أعود إلى القصة التي أردت روايتها، فما حدث أنه في يوم 4 يوليو الحالي، قررت أن أخوض تجربة الترشح في مجلس إدارة اتحاد الشاغلين، بتجمع سكني أمتلك وحدة فيه في منطقة الساحل الشمالي الغربي، في محاولة لأن أكون طرفًا في حل مشكلات تلك القرية، والتي تعاني من مشكلات كثيرة....
أولها وأهمها، مشكلة تعود جذورها إلى عام 2014، مع الشركة القابضة للمياه في مرسى مطروح، على أثر مديونية مزعومة قررتها الشركة، بمضاعفة الاستهلاك المسجل على العداد الحكومي الخاص بالقرية إلى 10 أضعاف، بعد أن قررت الشركة أن هناك مشكلة تتعلق بهذا العداد؛ وهو ما أدى إلى الدخول في نزاعات قضائية بين الطرفين منذ ذلك الحين وحتى الآن، ذلك على الرغم من أن العداد - سبب المشكلة - قد تم نزعه؛ بل ويقال إنه تم إعدامه أيضًا!
الأمر المثير للاهتمام هو أن هذه القضية - وما ترتب عليها من آثار ضارة بالملاك، بسبب نقص المياه، ومعاناة الملاك واضطرارهم لشراء مياه غير معالجة وغير صالحة للشرب، عن طريق جرارات يملكها أشخاص، والتي أدت إلى تصاعد معدلات الاتجار بالمياه إلى معدلات كبيرة جدًا - جعلت هناك نقاشات ممتدة، من وقتها وحتى اليوم على مجموعة "الواتساب" التي أنشأها اتحاد شاغلي تلك القرية، ومجموعات أخرى أنشأها عدد من الملاك أيضًا، والتي تحولت إلى ساحات للنقاشات، والاقتراحات للوصول إلى حل، بل والمشاجرات والمشاحنات أيضًا، بين الملاك واتحادات الشاغلين المتعاقبة، بل وفيما بينهم أيضًا.
المشكلة الحقيقية في هذه المشاحنات على منصات التواصل الاجتماعي بشكلٍ عام، أن الأمر لم يعد يقتصر على كونه مجرد "مشاجرات"؛ بل تحول إلى ما يمكن أن يُشكِّل قضايا، وجرائم يعاقب عليها القانون، دون أن يدري كثير من هؤلاء المواطنين! وأن هذه المشاحنات أصبحت تقوِّض السِّلم والأمن الاجتماعي، خصوصا وأنه كثيرًا ما يتدخل أشخاص لا علاقة لهم بالأمر من الأساس، إما بدافع الفضول، أو بدافع إشعال الموقف أيضًا!
لا أعلم كيف يمكن مواجهة سلبيات تلك المنصات؛ إذ إن الأمر فيما يبدو أصبح خارج السيطرة، وأظن أنه لا بد من صدور قانون ينظم استخدام تلك المنصات، أو - على الأقل - لائحة سلوك، تشرح عواقب إساءة استخدام تلك الوسائل. لكنَّ المخيف في الأمر أنه - حتى لو كانت هناك تلك اللوائح أو مدونات للسلوك - فإن مخالفتها تظل أمرًا سهلًا، والانقياد للمشاحنات، وجرائم السب والقذف، يظل أمرًا ممكنًا وسهلًا أيضًا.
أعتقد أن هناك مسؤولية كبيرة على منصات التواصل الاجتماعي في تطبيق سياساتها، وقواعدها بصرامة أكبر ضد الحسابات التي تنشر الكراهية والمعلومات المضللة، وهو أمر ينبغي مراقبته من أجهزة الدولة، وأن تجعل الإبلاغ عن تلك الخروقات أمرًا سهلًا وميسرًا جدًا، وأن تضع الدولة سياسات تفرضها على تلك المنصات بما يتفق مع القانون المصري.
وأعتقد أيضًا أنه يجب نشر التوعية بالقانون المصري فيما يتعلق بجرائم السب والقذف والتشهير عبر الإنترنت، وهي جرائم يعاقب عليها القانون في مصر، والتي تمكن من يتعرض للإساءة، من اللجوء إلى القنوات القانونية لحفظ حقوقه في هذا الأمر.
وأخيرًا، أظن أنه مع تصاعد حدة هذه الظاهرة، على المستوى المجتمعي والرسمي، أصبح من الضروري الاهتمام بالتربية الإعلامية الرقمية، بحيث تكون جزءًا أساسيًا من التعليم، لزيادة وعي الأجيال الجديدة بكيفية التعامل مع الفضاء الرقمي، والتمييز بين الحقيقة والشائعة، ومخاطر التنمر الإلكتروني، وجرائم التشهير والسب والقذف، وامتلاك حساسية التعرف على تلك النوعية من الجرائم والتعامل معها ومواجهتها أيضًا.