حسام الدين الأمير
وها نحن اليوم أمام مشهد يتكرر لكن بثوب جديد أمام دعوات مشبوهة للتجمهر أمام السفارات المصرية بالخارج، دعوات تحمل في ظاهرها خداعًا من شعارات تتغنى بالعدالة وحقوق الإنسان والقضية الفلسطينية، بينما في جوهرها لا تعدو كونها محاولة جديدة من محاولات إسقاط الدولة المصرية وزعزعة الاستقرار داخلها، وهي دعوات تقودها أدوات مأجورة من الخارج، وعلى رأسها التنظيم الدولي لجماعة الإخوان الإرهابية.
من يتابع هذه الدعوات سيكتشف بسهولة ملامح السيناريو المكرر والذي يتمثل في استغلال أزمة إنسانية حقيقية كالمأساة المستمرة في غزة كغطاء للتحريض على مؤسسات الدولة المصرية والإساءة لقيادتها والتشكيك في دورها الوطني والقومي.
لكن الفارق الوحيد اليوم أنَّ الشعب المصري أصبح أكثر وعيًا وأكثر تمسكًا بثوابته ولا تنطلي عليه مثل هذه المناورات الرخيصة، ولقد نسي هؤلاء أو تناسوا عمدًا أنَّ الدولة المصرية بمؤسساتها وقيادتها وشعبها لم تغلق يومًا أبوابها أمام أشقائها، ولم تتاجر يومًا بمعاناة الآخرين.
فالمعابر المصرية مفتوحة والمساعدات مستمرة والمفاوضات التي تقودها القاهرة لم تتوقف لحظة واحدة، رغم تجاهل الإعلام المأجور ووسائل التضليل لحجم الجهد الذي تبذله الدولة المصرية سياسيا وإنسانيا ودبلوماسيا.
إنَّ من يدعو للتجمهر أمام السفارات المصرية لا يريد نصرة شعب غزة، بل يسعى لضرب الداخل المصري، وتأليب الرأي العام، وتشويه العلاقة الصلبة بين القيادة والشعب، وهي العلاقة التي دفع فيها الشعب المصري ثمنًا غاليًا في سبيل استعادة وطنٍ خطفته الجماعة الإرهابية، وتحاول اليوم العودة من النافذة بعدما طردها المصريون من الباب.
وليعلم الجميع أنَّ مصر لا تتحدث كثيرًا، لكنها تعمل كثيرًا من أجل فلسطين، ومن أجل استقرار المنطقة، ومن أجل بناء جمهوريتها الجديدة، رغم كل حملات التشويه والتشويش.
وهنا دعونا نتذكر في مثل هذه الساعات التي نعيشها الآن، وتحديدًا في يوم 26 يوليو من عام 2013، وبعد أن استعادت الدولة المصرية وعيها ومكانتها من أيدي خاطفيها، خرج الشعب المصري العظيم عن بكرة أبيه في مشهد لا ينسى، ليمنح تفويضًا شعبيًا واضحًا للجيش والشرطة لمواجهة الإرهاب وحماية الوطن.
حملت تلك المظاهرة التاريخية عنوان "مليونية التفويض"، وكانت استجابة مباشرة لدعوة وزير الدفاع والإنتاج الحربي آنذاك الفريق أول عبد الفتاح السيسي، لتفويض القوات المسلحة والشرطة في مواجهة العنف والإرهاب المسلح.
ولقد كانت تلك اللحظة فارقة في التاريخ الحديث حيث جسدت وعي المصريين ورفضهم لحكم الميليشيات والتنظيمات المتطرفة وأكدت أن هذا الشعب لا يخدع، ولا يرضى أن يؤخذ وطنه رهينة لتجار الدين والشعارات.
واليوم وبينما تتجدد محاولات استهداف الدولة المصرية من الخارج من دعوات تحريضية مشبوهة، تهدف لإرباك الداخل وتشويه صورة القيادة السياسية فإن الأمر لا يختلف كثيرًا في جوهره، ومن هنا لا مانع بل من الواجب الوطني أن يخرج الشعب المصري مرة أخرى عن بكرة أبيه لتجديد تفويضه المطلق لقيادته السياسية التي كانت بالأمس وزيرا للدفاع، وهي اليوم رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي الرجل الذي حمل أمانة الوطن في أصعب الأوقات ويواصل اليوم بناءه وسط عواصف وتحديات غير مسبوقة، نعم، آن الأوان أن يجدد الشعب ثقته وتفويضه للرئيس ومؤسسات الدولة كافة لاتخاذ ما تراه مناسبًا في حماية أمن الوطن، وحفظ استقراره، وصد كل محاولات الابتزاز والتخريب والتشكيك.
ويبقى السؤال الحتمي.. لماذا الآن؟، لماذا تتجدد هذه الدعوات المشبوهة الآن؟، ولماذا في هذا التوقيت تحديدًا؟، لماذا تطلق هذه الحملات التحريضية في الوقت الذي تلعب فيه الدولة المصرية دورًا إنسانيًا وحقوقيًا مشرفًا تجاه ما يحدث في غزة، دور لا يمكن أنَّ ينكره إلا جاحد أو جاهل؟ أين هي شعوب العالم الحر وليس فقط حكوماته من تقدير هذا الموقف المصري الذي يشكل "قبلة الحياة" لشعب غزة ودعامة صلبة لكل الشعوب العربية الباحثة عن الكرامة والنجاة؟.
ولماذا تأتي هذه الدعوات المشبوهة في ذات الشهر الذي شهد أفول جماعة الإخوان الإرهابية وسقوط مشروعها التخريبي إلى غير رجعة؟، ولماذا تتزامن هذه التحركات مع اقتراب ذكرى فض اعتصام "رابعة" ذلك الاعتصام المسلح الذي استخدمت فيه الجماعة أبناء الشعب كدروع بشرية، وقدمتهم قرابين في سبيل مشروعها الدموي؟
ولماذا الآن في ظل ما تشهده مصر من نهضة تنموية شاملة على كل المستويات ضمن مشروع الجمهورية الجديدة الذي يعيد بناء الدولة من الجذور؟ ولماذا في توقيت حساس تشهد فيه البلاد استحقاقا انتخابيا مهما يتمثل في انتخابات مجلس الشيوخ، أحد أعمدة البناء التشريعي للدولة؟.
الأسئلة كثيرة، لكن إجاباتها واضحة: إنَّ من يقف خلف هذه الدعوات لا يهمه غزة، ولا حقوق الإنسان، ولا مستقبل الشعوب إنما يهمه فقط ضرب استقرار مصر، وتفكيك مؤسساتها، وتشويه إرادتها الحرة.
ولنقلها للعالم بوضوح هل تتوقعون حقًا أن الشعب المصري سيلتزم الصمت أمام دعواتكم المريبة؟ هل تظنون أن وعي المصريين يمكن أن يخترق بشعاراتكم الزائفة؟ الإجابة واضحة وبسيطة: لا.
فعند اللزوم يكون المواطن المصري هو السلاح الأقوى في وجه أعداء الوطن ويصبح الشعب بكامله قنبلة جاهزة للانفجار في وجه كل من يتآمر على الدولة المصرية أو يحاول المساس باستقرارها.
وفي لحظة واحدة قد تجدون أمامكم أكثر من 110 ملايين مصري جنودًا في ميدان الوعي، والدفاع، والانتماء لا يوجههم أحد ولا يحركهم إعلام مأجور، بل يحركهم عشقهم لتراب هذا الوطن، وإدراكهم لما دفع من ثمن كي تبقى مصر مستقلة آمنة عصية على السقوط، وليعلم الجميع أنَّ الشعب المصري ليس في حاجة لمن يلقنه دروسًا في الإنسانية أو الوطنية، فقد كتب تاريخه بالدم، وصنع مستقبله بالصبر، وحمى وطنه بالإرادة والوعي.
وليعلم الجميع أيضًا أنَّ الرهان الحقيقي كان وسيظل دائمًا على وعي الشعب المصري وهذا ما يفشل كل محاولاتهم، ويربك حساباتهم طالما ظنوا أن بإمكانهم عبر أبواقهم الإعلامية المأجورة وتأجيجهم المستمر للصراعات، أن يخترقوا العقل الجمعي للمصريين أو أن يشوشوا وعيهم الوطني لكن خاب ظنهم وفشل رهانهم، فهم يعتقدون أن المواطن المصري سينشغل بتلك الأكاذيب، أو يستدرج لتغيير منظوره والانجرار خلف مخططاتهم الخبيثة، لكنهم لا يدركون أن هذا الشعب تربى على الفطنة وأن تجربته مع من حاولوا خطف وطنه علمته الكثير فكل مرة يظنون أنها لحظة ضعف تتحول إلى لحظة وعي وانتصار.
ومن خلال هذه السطور في هذا المقال أؤكد بكل وضوح على الدعم الكامل للدولة المصرية في جهودها المستمرة تجاه القضية الفلسطينية، ذلك الدعم الذي لم يكن يوما موقفا عابرا أو استجابة ظرفية، بل هو امتداد لتاريخ طويل من المساندة والمواقف الشريفة.
فالشعب المصري بكل فئاته يساند رئيسه في كل ما يبذله من جهود إنسانية ودبلوماسية لدعم الأشقاء في غزة.
ومصر قديمًا وحديثًا لم تتخل يومًا عن دورها العربي الأصيل، وكانت وما زالت في مقدمة المدافعين عن الحقوق الفلسطينية، وعن تمكين الشعب الفلسطيني من أرضه واسترداد كرامته، وقد عبر الرئيس عبد الفتاح السيسي ومن خلفه الشعب المصري بوضوح قاطع أن ما يحدث في فلسطين وغزة هو ظلم بين، وأن مصر لن تكون أبدًا شريكا في هذا الظلم.
وجهود الدولة المصرية من فتح المعابر، إلى إرسال المساعدات، إلى التحرك السياسي الفاعل واضحة كالشمس ولا يمكن لأي منصف أن ينكرها أو يقلل من شأنها.
ومن هنا فإنني أوجه دعوة صريحة ومفتوحة إلى كل الجاليات المصرية في الخارج، أن يتحول كل مصري مغترب إلى صوت واع وضمير حي يشرح الحقائق كما هي وينقل صورة الموقف المصري بكل صدق وأمانة.
وليكن كل مواطن مصري بالخارج إعلاميا وطنيا، يواجه حملات التشويه، ويدحض دعاوى التجمهر ويصطف دفاعا عن وطنه أمام العالم، حتى تصبح شعوب العالم قبل حكوماته هي أيضا مؤازرة للموقف المصري ورافضة لأي محاولات مسيئة أو مغرضة ضد مصر.
ودور الإعلام لا يقل أهمية حيث بات على الإعلام المصري بكل توجهاته وأطيافه وأنماط ملكيته أن يضطلع بمسؤوليته الوطنية الآن وأكثر من أي وقت مضى، والمطلوب هو التوحد في فترة ضم إعلامية مشتركة يومية، تخصص لتوضيح كل ما يدور في الداخل والخارج من مؤامرات ضد الدولة المصرية، وشرح التحديات والجهود، بلغة مبسطة وواضحة تصل إلى كل فئات المجتمع، دون تعقيد أو نبرة خطابية بعيدة عن الناس.
وليكن الإعلام شريكًا حقيقيًا في معركة الوعي يقدم من خلال هذه الفترة المشتركة محتوى إيضاحيا جذابًا، يضم رموزا وطنية وشخصيات مؤثرة تتحدث للعقل والوجدان ويستعرض بالدلائل والأرقام ما يحاك ضد مصر، وما تقوم به الدولة من جهود ضخمة لحماية الأمن القومي وتثبيت دعائم التنمية والاستقرار.
إن هذه الفترة الإعلامية المشتركة إن أحسن تصميمها وتقديمها يمكن أن تشكل حالة التفاف وطني يومي حقيقي يكون فيها الإعلام حائط الصد الأول ويعود من خلالها إلى مكانته الحقيقية كأداة بناء وتنوير.
وختامًا، يبقى أن نؤكد وبملء اليقين أن كل هذه المحاولات البائسة التي تستهدف مصر من دعوات مشبوهة، وحملات تشويه، ومؤامرات إعلامية مسمومة ما هي إلا فقاعات على سطح وطن عميق الجذور ثابت الخطى.
وإنها محاولات فاشلة للتشويش على صورة مصر في الخارج، والنيل من مواقفها الثابتة التي باتت تحظى باحترام وتقدير العالم كله، فمصر لا تتحرك بردود أفعال بل بخطط مدروسة، ومبادئ راسخة، ومواقف لا تهتز.
وإذا كان هناك من يظن أن حملات التشويش قادرة على هز ثقة المصريين في قيادتهم أو تشتيت التماسك بين الشعب ومؤسساته، فليعلم الجميع أنَّ هذا الشعب دخل الكثير من المعارك وخرج منها دائمًا أكثر وعيا وصلابة، وأنَّ مصر أكبر من أن تحاصر بشائعات وأقوى من أن تهزم بمعارك وهمية، وستظل كما كانت صوت العقل في زمن الجنون وضمير الأمة حين يصمت الآخرون، وليعلم الجميع أن مصر لا تُبتز لكنها تواجه الزيف.