أحمد محمود
وكان أبرز ما قاله في هذا الحوار أن إسرائيل لم تستيقظ بعد فيما يتعلق بثورات الربيع العربي، وما تزال تظن أن تفوقها العسكري سيوفر لها الحماية الكافية، ويؤمِّن لها السيطرة على الوضع.
ويبدو أن ما حدث منذ يوم 7 أكتوبر 2023 فيما عُرف بعملية "طوفان الأقصى"، كان بمنزلة تحقق لنبوءة فولك، وأن تلك العملية كشفت - بالفعل - خرافة تفوق الكيان الصهيوني من الناحية العسكرية، وأن تداعيات تلك العملية أظهرت الوجه القبيح، والمخيف لسياسات الاستيطان، تلك التي كان يحذر منها فولك، أيضًا.
أذكر أنني سألته - أيضًا - في ذلك الحديث عن أنه كان يطالب دوما بمقاطعة المنتجات الإسرائيلية، والشركات المسؤولة عن بناء المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، وعمَّا إذا كان فكَّر يومًا ما في المطالبة بمقاطعة إسرائيل ذاتها.
وأذكر أن إجابته جاءت دبلوماسية؛ بل وربما منحازة للكيان الصهيوني، حيث كانت تميل إلى التهرُّب من إجابة واضحة قاطعة؛ إذ قال، إنه طالب شخصيًا بمقاطعة إسرائيل، ولكن مطالبة الأمم المتحدة بذلك معناه الدفع بمسألة الصراع إلى آخر المطاف، وهو أمر ليس ممكنًا في هذه المرحلة، وأنه يجب أن نستنفد الحلول الدبلوماسية، ولكن هذا غير مستحيل أيضًا، وقد تتجه الأمور إلى ذلك في يومٍ ما، وأن التاريخ مليء بالنماذج التي لم يكن من الممكن تصورها، تماما كما حدث في ميدان التحرير، إذ لم يكن أحد يتصور أن يمتلئ الميدان بالناس عام 2011.
والحقيقة، أنني وجدت تلك الإجابة متحيزة ضد مصر، ومتحيزة لصالح الكيان الصهيوني في الوقت نفسه، على الرغم من أنه بذل جهدًا كبيرًا في صياغة حديثه؛ حتى لا يبدو ذلك الإنحياز ظاهرًا، ولكنه بدأ يفقد ذلك الحرص حين أخبرته أن العرب لا يفهمون لماذا تتخذ القرارات بالتدخل العسكري فورًا حين يتعلق الأمر بدولة عربية، بينما يتحدث الساسة عن طبيعة السياسة الجغرافية وضبط النفس حين يتعلق الأمر بإسرائيل!
وجاء رده أن الموضوع معقد حينما يتعلق بطبيعة القضية؛ مثل ليبيا، أو العراق؛ إذ إن التدخل العسكري فيهما لم يكن ليمثل مشكلة كبرى لدى دول الجوار، وهو ليس الحال بالنسبة لإسرائيل. وأضاف أن مصداقية الأمم المتحدة تأثرت - بالتأكيد - بسبب قضية فلسطين، ولكنَّ الحقيقة أن أداء الأمم المتحدة لم يتأثر، وظلت الأمم المتحدة تسير في طريق الجدل حول الأخلاق، والمبادئ، والشرعية في المجتمع الدولي لوضع قضية فلسطين أمامه بطريقة مختلفة.
ولاحظت أيضًا، أنه حين لاحظ عدم قبولي لتلك الإجابة المنحازة سارع، وقال إن الإعلام في العالم الغربي يسيطر عليه اليهود الموالون لإسرائيل، وحتى الكونجرس الأمريكي الذي يتخذ القرارت يتأثر كثيرًا باللوبي الصهيوني؛ مما يجعل خروج الولايات المتحدة ورئيسها بقرار ضد إسرائيل أمرًا بالغ الصعوبة.
وأضاف أن العالم الغربي ليس كله واعيًا بما يحدث في فلسطين، والعالم العربي، وكرَّر أن عديدًا من وسائل الإعلام الغربية ليست مُنصفة فيما يتعلق بالمسألة الفلسطينية ويصفون التصرفات العربية بالعدائية، بينما يغضون الطرف عن ممارسات إسرائيل، وأن الفلسطينيين محتاجون لأن يغيِّروا المناخ العام في الولايات المتحدة تجاه قضيتهم وتجاه إسرائيل بوضع قضيتهم بصورة أكبر في الإعلام.
الطريف أنه وضع العبء في ذلك الحديث على الفلسطينيين أنفسهم، لتغيير المناخ العام حول قضيتهم! على الرغم من أنه كان عالمًا - بشكلٍ كبير - بالضغوط والحصار الذي يتعرض له الفلسطينيون من قوات الاحتلال، وأن الغرب - الذي يدعم ذلك الاحتلال - يدرك بشكل دقيق، حقيقة الموقف، ولكنه لا يكترث بالفلسطينيين على الإطلاق، وهو تمامًا ما يحدث الآن، من النشطاء الذين يدركون تمامًا سيطرة قوات الاحتلال على الجانب الآخر من المعابر، ورفضها العنيد السماح بمرور المساعدات، ولكنهم - أيضًا - يُلقون اللوم على الجانب المصري، في مغالطة واضحة، وربما محسوبة ومدفوعة أيضًا!
والطريف أنه حين سألت فولك - في نهاية الحوار - عن تطورات الأحداث في مصر، وكيف يمكن أن تؤثر هذه التطورات في الصراع العربي الإسرائيلي؟ أجاب بأنه يظن أنه كلما زادت مساحة الديمقراطية في مصر؛ سيكون لذلك تأثير إيجابي لحل قضية الصراع العربي الإسرائيلي، وأن القيادات الديمقراطية تستمع إلى صوت الشارع، وتستجيب لمطالب الناس، والناس في مصر ترغب في إنهاء الصراع بما يضمن حقوق الفلسطينيين وهو ما لم يقم به النظام الذي سبق أحداث 25 يناير 2025 على حد قوله!.. وتلك مغالطة كبيرة تُظهِر إلى حدٍ كبير، حجم، ونوع الشحن الغربي، والصهيوني ضد أي نظام مصري، لا يستجيب لمطالب الصهاينة.
الآن، أظن أن الاستجابة المصرية لما يقوم به النشطاء سواء في مصر أو في الخارج، من محاولة الضغط على الحكومة المصرية، لاتخاذ إجراء في مسألة المعابر، قد يدفع الدولة المصرية إلى مواجهة غير مطلوبة مع الكيان الصهيوني، وأن تلك الضغوط إنما هي ثمرة تلك الدعايات التي - كان وما يزال - يقوم بها أعضاء من الهيئات الدولية، ويغلفونها بحديث "مُنمَّق" عن الديمقراطية، وحقوق الإنسان، تلك الديمقراطية، والحقوق التي تختفي من حديثهم فورًا حينما يتعلق الأمر بقوات الاحتلال الإسرائيلي، وأفعالها في الأراضي المحتلة.
والحقيقة، أنني كمواطن مصري، أتيحت له الفرصة للتعامل مع هيئة الأمم المتحدة من الداخل، أصبحت ألوم؛ بل ولا أثق بتوجهات عدد لا بأس به من خبراء وموظفي تلك الهيئة، وخصوصا عندما يتعلق الأمر بمنطقة الشرق الأوسط، ولكنني ألوم - أيضًا - أولئك النشطاء الذين يندفعون خلف مغالطات، ودعايات "منحازة" تهدف إلى تبييض وجه قوات الاحتلال، وتبرئتهم من مسألة تجويع شعب غزة؛ بل وتهدف - أيضًا - إلى جر مصر إلى نزاع مصطنع لأسباب واضحة للجميع!
ومع ذلك يتغافل عنها أولئك النشطاء، ربما بقصد أو دون قصد، ولكن ذلك الاندفاع لا يخدم إلا قوات الاحتلال، ويُلحِق ضررًا بالغًا بقضية فلسطين؛ تلك التي يتظاهرون للدفاع عنها.