ولاء عزيز
تقوم المنصات الرقمية بتحليل أنماط سلوك المستخدمين عبر ملايين نقاط البيانات: من المنشورات التي يتفاعلون معها، إلى المحتوى الذي يتجاهلونه، مرورًا بتوقيت تصفحهم اليومي. وتُستخدم هذه البيانات لبناء "ملف سياسي رقمي" لكل مستخدم، يتضمن ميوله الفكرية، ومدى قابليته للتأثر، بل وحتى حساسيته تجاه قضايا معينة مثل الأمن أو الاقتصاد أو الهوية.
ولا يُستخدم هذا الملف فقط في الحملات الإيجابية، بل أيضًا في الهجمات السياسية الموجهة، كما سنوضح لاحقًا.
بفضل الذكاء الاصطناعي، أصبحت الحملات الانتخابية أكثر دقة وفعالية من أي وقت مضى. يُستخدم ما يُعرف بـ"الاستهداف الدقيق" (Microtargeting) لتوجيه رسائل سياسية مصمّمة خصيصًا لمجموعات أو حتى لأفراد، بناءً على تحليل نفسي وسلوكي.
وقد أظهرت تجارب عديدة – أبرزها فضيحة "كامبريدج أناليتيكا" – كيف يمكن توجيه الإعلانات السياسية لتعزيز ميول المستخدم أو تغذية مخاوفه. لكن الأخطر هو استخدام هذه البيانات ليس فقط للتأثير، بل لإثارة الشكوك، وتثبيط الناخبين عن التصويت، أو تشويه صورة مرشح معين.
أحد الاستخدامات المتزايدة للذكاء الاصطناعي هو توجيه حملات مضادة تستهدف إضعاف شعبية خصوم سياسيين. وتقوم الخوارزميات هنا بعدة وظائف:
نشر معلومات مضللة أو مشوهة:
يُصمَّم محتوى مزيف أو مجتزأ، يُنشر على نطاق واسع بين الفئات المستهدفة، لتعزيز الانطباعات السلبية عن الخصم.
تقنيات التزييف العميق (Deepfake)
تُستخدم لنشر فيديوهات وصور تبدو واقعية لكنها مفبركة، بهدف تدمير سمعة الخصوم.
تثبيط التصويت
تُرسل رسائل سلبية لإقناع فئات معينة بعدم جدوى المشاركة، عبر محتوى يشيع أن "كل السياسيين فاسدون" أو أن "نتائج الانتخابات محسومة سلفًا".
استهداف الناخبين المترددين
وهم الفئة الأضعف والأكثر عرضة للتأثير السلبي، حيث تُصمم لهم رسائل لتشويه البدائل، وتشجيعهم على الامتناع عن التصويت بدلًا من المشاركة.
وهذه الحملات لا تصدر بالضرورة عن مرشحين مباشرين، بل قد تأتي من شركات خارجية أو أطراف أجنبية لها مصلحة في التأثير على نتائج الانتخابات.
تكمن خطورة هذه العمليات في أن الخوارزميات تُغذي المستخدم بما يشبهه، فتخلق ما يُعرف بـ"الفقاعة المعلوماتية"، حيث يُحاصر الناخب في دائرة مغلقة من المحتوى الذي يُعيد تأكيد قناعاته، ويقصي الآراء المخالفة.
وفي هذا السياق، لا تعود المنصات أدوات محايدة لنقل المعلومات، بل تتحول إلى "غرف صدى" تُعيد تدوير المحتوى الموجّه، سواء كان حقيقيًا أو زائفًا.
لا تزال القوانين الدولية عاجزة عن مواكبة التطور السريع في أدوات الذكاء الاصطناعي. فالمستخدم غالبًا لا يعلم كيف ولماذا يُعرض عليه محتوى معين، ولا من يقف وراءه. ومع غياب الشفافية، تُصبح المنصات الإلكترونية ساحة معركة خفية، لا يرى المواطن إلا نتائجها.
ومع أن هناك محاولات لتنظيم هذه الظاهرة، مثل "قانون الخدمات الرقمية" في الاتحاد الأوروبي، فإنها ما زالت في بداياتها، ولا تُلزم شركات التكنولوجيا الكبرى بتوضيح آليات اتخاذ القرار الخوارزمي، كما لا تفرض رقابة كافية على الحملات السياسية الرقمية.
في ظل هذا الواقع، لا بد من تمكين الناخب من أدوات المواجهة. فالتثقيف الإعلامي والتحليل النقدي للمحتوى السياسي أصبحا ضرورة لا رفاهية.
ينبغي تدريب الجمهور على طرح الأسئلة: من يقف وراء هذه الرسالة؟ ما مدى مصداقيتها؟ هل هي معلومة أم رأي موجّه؟ وكلما ازداد وعي الناخب، قلّ تأثير الحملات الخوارزمية المضللة، سواء كانت إيجابية أو سلبية.
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لتحسين تجربة المستخدم، بل صار وسيلة محورية في تشكيل وعي الناخب – بل والتلاعب به أحيانًا. فالجمع بين مراقبة السلوك، واستهداف الرسائل، واستخدام الحملات المضادة، يضع الديمقراطية أمام تحدٍّ وجودي.
ومع تأخر التشريعات، تبقى الشفافية والوعي المجتمعي السبيل الوحيد لضمان انتخابات نزيهة، تقوم على حرية القرار لا على خوارزميات غير مرئية.