البث المباشر الراديو 9090
شنودة فيكتور
"عايز نذيع قول ذيع".. كانت تلك الجملة الأشهر للفنان الكوميدي الراحل إبراهيم نصر في البرنامج الرمضاني الشهير "الكاميرا الخفية"، الذي عشنا معه سنوات طويلة خلال النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي.

كان ملايين من الأسر في مصر والعالم العربي ينتظرون هذا البرنامج بمواقفه الطريفة، ليقدم لنا الضحك دون إسفاف أو إهانة لضيف الفقرة في المقلب. وكان إبراهيم نصر – رحمه الله – يستأذن الضيف قبل إذاعة الحلقة، سائلاً في احترام: "الفقرة اتصورت.. تحب نذيع؟".

عبارة بسيطة لكنها تلخّص احترامًا عميقًا لخصوصية الأفراد، وحرصًا على عدم إحراجهم.

تذكرت هذه المواقف الراقية، وتلك الكوميديا التي لا نخجل منها، فلا إيحاءات مبتذلة، ولا ألفاظ خارجة، ولا إشارات يُحرج منها الكبار أو تستحي منها الأسر. كانت الضحكات تملأ البيوت بعد الإفطار بدقائق، وكان الضحك نقيًّا، والنية طيبة.

أما اليوم، فنحن أمام مأساة مجتمعية تُبَثّ على الهواء مباشرة عبر الشاشات الصغيرة. لم تعد الكاميرا الخفية تسعى للضحك البريء، بل صارت كاميرات "الترند"، حيث يجري بثّ محتوى متدنٍّ، مبتذل، وغير أخلاقي من قبل من يُسمون أنفسهم "تيكتوكرز" و"يوتيوبرز".

لا أرغب في الخوض في تفاصيل باتت معروفة للجميع، لكن الأهم هو أن هذه المنصات تحوّلت إلى عالم موازٍ، له حساباته الخاصة، يخترق عقول الأطفال والشباب والكبار، ويُخفي وراءه أهدافًا خبيثة.

ربما نكتشف لاحقًا أن ما نشهده هو جزء من حروب الجيل الخامس، التي تستهدف تدمير المجتمعات، وإضعاف الروح المعنوية، وتهميش قيمة العلم والعمل والثقافة والطموح، لصالح صورة زائفة من الثراء السريع بلا جهد أو كفاح.

نعم، لقد أصبحت تلك المنصات أسلحة خفية بيد أي جهة أو شخص – من الداخل أو الخارج – يقول ما يشاء، وقتما يشاء. الجميع باتوا "إعلاميين" و"مذيعين" و"فنانين" – ولو مؤقتًا – في فضاء التيك توك واليوتيوب والفيسبوك.. والبقية تأتي.

مع كامل الاحترام بالطبع لأولئك القلائل الذين يقدمون محتوى راقيًا وهادفًا، ملتزمًا بالمعايير الأخلاقية والمجتمعية.

اليوم، مصطلح "حرب الوعي" لم يعد مصطلحًا نظريًا، بل صار مظلة تشمل كل تلك الحروب، التي تتجاوز الكلمات لتصل إلى مشاهد مصورة ومذاعة، تُبث على مدار الساعة، مستخدمة أدوات الذكاء الاصطناعي وتزييف الواقع.

ظهر من لا علاقة لهم بالسياسة أو الاجتماع أو حتى الإعلام، ليتحولوا فجأة إلى "محللين استراتيجيين" و"خبراء أسريين"، يُفتون في كل شيء، ويوجهون الرأي العام، في غياب تام للعلم والمعرفة والثقافة، ليكونوا مجرد أدوات – بقصد أو دون قصد – لتسطيح العقول، ونشر الجهل واللامبالاة، وتعميم الإسفاف بشكل متسارع ومُخيف.

ولحسن الحظ، فقد تحرّكت أجهزة الأمن المصرية والنيابة العامة بسرعة وفعالية، فتلقّت البلاغات، وتابعت الصفحات المشبوهة، وبدأت في اتخاذ الإجراءات القانونية.

ويأتي ذلك بالتوازي مع التطور الملحوظ في أجهزة المعلومات بوزارة الداخلية، وتدريب جيل جديد من الضباط المتخصصين في مكافحة الجرائم الإلكترونية وتكنولوجيا المعلومات.

لقد تغيّرت معادلات الحروب.

لم تعد تُدار بالدبابات أو الصواريخ فقط، بل صارت تُخاض عبر الهواتف المحمولة والمنصات الرقمية. وأصبح كل فرد مستهدفًا، من الأسرة إلى الطفل، من الشاب إلى المرأة، بل من الدين إلى السياسة.

إذا لم ننتبه، ونتعامل سريعًا، فسيأتي إلينا الاختراق من كل جهة ومكان في هذا العالم الافتراضي المليء بالفوضى المقنّعة.

إن المسؤولية ليست على عاتق أجهزة الأمن وحدها، بل على كل فرد في المجتمع.

علينا أن ننتبه، ونُحصّن أبناءنا، ونتيقظ لما يُبث لنا ولهم عبر هذه التطبيقات – كل ساعة، وربما كل دقيقة.

وأن نتعاون مع الأجهزة المختصة والقضاء المصري – ممثلًا في النيابة العامة – في الإبلاغ الفوري عن أي صفحات أو أشخاص أو كيانات تسلك هذا المسار المشبوه.

لنحمي الوعي، ولنحفظ العقول، قبل أن نصحو على مجتمع لا نعرفه... وواقع لا نريده.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز