البث المباشر الراديو 9090
حسام الدين الأمير
لم تكن الدولة المصرية يومًا في حاجة إلى صك براءة أو شهادة تثبت وقوفها إلى جانب قضايا الحق والعدل في العالم، وبالأخص القضية الفلسطينية وما يتعرض له أهل غزة من حصار وعدوان ممنهج يستهدف الحجر والبشر على حد سواء.

فالتاريخ القريب والبعيد يكفي شاهدا على أن مصر كانت وستظل السند الأول والداعم الأكبر للشعب الفلسطيني وأنها لم تدخر جهدا في تقديم كل ما يمكن لإنقاذ أرواح المدنيين الأبرياء وعلى رأسهم الأطفال الذين يدفعون ثمنا باهظًا جراء الممارسات الإسرائيلية الوحشية.


منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى اليوم لم يكن الموقف المصري محل مزايدة أو تشكيك سواء من خلال تحركات قيادتها السياسية، أو قرارات حكومتها، أو مواقف شعبها الذي يعتبر فلسطين قضيته المركزية.


واليوم، وبعد أن حاول البعض إلصاق الاتهامات الباطلة بمصر، نجد الحقيقة تخرج من الغرب ذاته ومن المؤسسات الدولية المعنية بحقوق الإنسان لتؤكد أن مصر لم تكن يوما جزءا من الأزمة، بل كانت وستظل ركيزة أساسية للحل وبوابة النجاة لأهل غزة.


لكن للأسف يوما بعد يوم يخرج علينا المجتمع الدولي بمزيد من الأكاذيب والمخططات التي تهدف إلى تزييف الوعي العالمي، في محاولة يائسة لإلصاق تهمة "التجويع" بمصر ونظامها، والإيحاء بأنها وراء ما يحدث من معاناة في غزة.


بل إن آلة الإعلام الإسرائيلية تتفنن على مدار الساعة في بث سمومها عبر وكلائها في الخارج، وفي مقدمتهم الجماعة المحظورة وأعوانها لتشويه الموقف المصري الواضح والثابت بأن ما يحدث في غزة ظلم مرفوض لن تشارك فيه مصر بأي حال من الأحوال.


ولم يتوقف الأمر عند حدود الأكاذيب، بل امتد إلى محاولات قلب الحقائق؛ فشاحنات المساعدات الإنسانية التي تقف على معبر رفح من الناحية المصرية والتي تحمل الغذاء والدواء والماء، تعد خير شاهد على أن مصر فتحت معبرها لتخفيف الكارثة الإنسانية ومع ذلك يحاول الغرب بكل ما أوتي من حجج وادعاءات أن يثبت أن العرقلة تأتي من الجانب المصري، رغم أن الحقيقة تكشفت أمام العالم أجمع في المؤتمر الصحفي الذي عقده وزير الخارجية المصري مع رئيس الوزراء الفلسطيني قبل أيام قليلة على معبر رفح ذاته وهو مشهد من عشرات المشاهد التي تثبت صدق الموقف المصري في مواجهة البجاحة الإسرائيلية.


لكن وكما يقول المثل المصري "وشهد شاهد من أهلها" وعلى غير المعتاد خرجت الحقيقة هذه المرة من قلب المؤسسات الدولية ذاتها.


فها هو أنطونيو جوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، يعلن في مؤتمر صحفي قبل ساعات أن المجاعة في غزة ليست لغزا، بل هي "كارثة من صنع البشر وفشل للبشرية" مؤكدا أن الأزمة لا تتعلق فقط بانعدام الغذاء، بل بانهيار متعمد للأنظمة الأساسية اللازمة لبقاء الإنسان على قيد الحياة.


ليس هذا فحسب بل أن أنطونيو جوتيرش تجرأ بالمثل البلدي وتناول "حبوب الشجاعة" واعترف أمام كاميرات العالم كله وقال: "الناس يتضورون جوعا في غزة، الأطفال يموتون ومن يتحملون واجب العمل يفشلون، باعتبارها القوة القائمة بالاحتلال، وعلى إسرائيل التزامات لا لبس فيها بموجب القانون الدولي بما في ذلك واجب ضمان وصول الإمدادات الغذائية والطبية للسكان، ولا يمكن أن نسمح باستمرار هذا الوضع بإفلات من العقاب".


والمثير أيضا في تصريحات أنطونيو جوتيريش أنها لم تكتف بتوصيف الكارثة بل حملت المجتمع الدولي مسؤولياته بشكل مباشر، حيث شدد في بيانه على أنه "لا مجال لمزيد من الأعذار" وأن "الوقت للعمل هو الآن وليس الغد" مطالبا بوقف فوري لإطلاق النار، والإفراج عن جميع الرهائن، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون أي عوائق.


والسؤال هنا: ألم يسمع العالم العربي والغربي هذه الكلمات الواضحة التي أدانت الغطرسة الإسرائيلية وحملتها صراحة المسؤولية عما يحدث؟ والسؤال الأهم: ما هي أوراق الضغط التي ستستخدمها الأمم المتحدة حتى تتحول كلمات أمينها العام إلى واقع عملي، خاصة مع تأكيده أن استمرار الوضع لم يعد مقبولًا؟.


ولم تمر سوى ساعات قليلة حتى جاءت كلمات أكثر حدة على لسان مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، الذي أكد أن المجاعة المعلنة في غزة "هي نتيجة مباشرة لأفعال الحكومة الإسرائيلية"، مشيرًا إلى أنها فرضت قيودا غير قانونية على دخول وتوزيع المساعدات الإنسانية والمواد الضرورية لبقاء المدنيين على قيد الحياة.


وأضاف أن الجيش الإسرائيلي دمر البنية التحتية الحيوية، وأتلف الأراضي الزراعية، وحظر الصيد، وهجر السكان قسرا، معتبرا أن كل ذلك "استخدام ممنهج للتجويع كسلاح في الحرب"، وهو ما يرقى إلى جريمة حرب، وقد يصل إلى جريمة القتل المتعمد.


وطالب فولكر بضرورة اتخاذ خطوات فورية لإنهاء هذه الكارثة الإنسانية، والسماح العاجل بدخول المساعدات الإنسانية بكميات كافية، مع وصول كامل للأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية.


وجاء الاعتراف الأوضح بعد أقل من 24 ساعة، وهو ليس اعترافا بقدر ما كان "طلبا ومناشدة" أدت إلى فضح الممارسات الإسرائليلة عندما وجه توم فليتشر، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، مناشدة صريحة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قائلاً: "كفى.. أوقفوا إطلاق النار.. افتحوا المعابر شمالًا وجنوبًا.. كل المعابر.. دعونا ندخل الطعام والإمدادات الأخرى على نطاق واسع وبدون عوائق.. لقد فات الأوان بالنسبة للكثيرين، ولكن ليس للجميع في غزة.. كفى.. من أجل الإنسانية اسمحوا لنا بالدخول".


وهنا لم يعد الحديث مجرد تحليل أو اتهام، بل إقرار رسمي بأن المساعدات موجودة، وأن من يعرقل دخولها هو إسرائيل، لا مصر ولا نظامها ولا قيادتها كما يحاول المتآمرون تصوير المشهد.


وتأكيدًا لذلك، أقر فليتشر بأن "المجاعة في غزة كان يمكن تجنبها لو سمح بدخول المساعدات، لكن الغذاء يتكدس على الحدود بسبب العرقلة المنهجية من إسرائيل"، وهو اعتراف صريح يبرئ مصر أمام العالم، ويكشف زيف الحملات الإعلامية المأجورة التي حاولت تشويه موقفها.

بل ذهب أبعد من ذلك في مؤتمر صحفي بجنيف، حين وصف المشهد بقوله: "إنها مجاعة حدثت في أرض خصبة وعلى بعد مئات الأمتار من مكان تكدس الطعام. مجاعة تصيب الأضعف أولًا، وتجبر الوالدين على الاختيار بين أطفالهم، مجاعة في القرن الحادي والعشرين تحدث تحت مراقبة الطائرات المسيرة، وفي ظل أكثر التكنولوجيات العسكرية تطورا"، وأضاف أن هذه المجاعة "لم تكن مفاجئة بل متوقعة، سببتها القسوة، وبررها الانتقام، وأدامتها اللامبالاة، ومكنها التواطؤ".


وهنا تحديدا يبرز جوهر الحقيقة: أن كلمة "التواطؤ" التي استخدمها فليتشر تشمل كل من خان إرادة الشعوب، وكل من تستر على الجرائم الإسرائيلية، سواء كانوا من العرب المتآمرين أو من الغرب المأجور، لكنها في المقابل تعزز صدق الموقف المصري الثابت، الذي لم يتاجر يوما بقضية فلسطين، ولم يساوم على حق غزة وأطفالها في الحياة.


ونأتي إلى اعتراف جديد لا يقل خطورة عما سبقه، قدمته منظمة العفو الدولية التي نشرت مؤخرا شهادات مروعة لمدنيين نازحين يواجهون الجوع والمرض وانعدام أبسط مقومات الحياة، فقد أكدت المنظمة أن إسرائيل تشن حملة تجويع متعمدة في قطاع غزة المحتل، مدمرة بذلك صحة الفلسطينيين وسلامتهم ونسيجهم الاجتماعي بصورة ممنهجة.


هذه الإفادات تؤكد مجددا أن ما يحدث ليس نتيجة عرضية أو كارثة طارئة، بل هو جزء أصيل من خططٍ وسياسات إسرائيلية صممت ونفذت على مدى الأشهر الماضية لإخضاع الفلسطينيين لظروف معيشية يراد بها تدميرهم المادي، وهو ما يشكل عنصرا رئيسيا من عناصر جريمة الإبادة الجماعية المستمرة بحق أهالي غزة.


وفي هذا السياق، شددت إريكا جيفارا روساس، كبيرة مديري البحوث والسياسات في منظمة العفو الدولية، على أن الشهادات التي جمعتها المنظمة لا تقتصر على وصف حجم المعاناة، بل تمثل "إدانة قاصمة لنظامٍ دولي أذن لإسرائيل بالتنكيل بالفلسطينيين مع إفلات شبه تام من العقاب على مدى عقود"، مؤكدة أن ما يجري هو نتاج مباشر لصمت المجتمع الدولي وتخاذله.


وخلاصة القول إن مصر التي دفعت عبر تاريخها ثمنا باهظا دفاعا عن الحق الفلسطيني، تتبرأ اليوم من أي ادعاءات باطلة تتهمها بالمشاركة في تجويع أطفال غزة، فدماء وأحلام هؤلاء الأبرياء في رقبة من اختاروا الحصار والتجويع سياسة ممنهجة.


وإن المسؤولية الأخلاقية والقانونية تقع على إسرائيل وحدها، باعتبارها دولة تمارس القتل الجماعي وتستخدم التجويع كسلاح حرب، وعلى رأسها بنيامين نتنياهو الذي يرقى بسجله الدموي إلى أن يكون مجرم حرب تجب محاكمته أمام العدالة الدولية.


ولأن الحكومات كما بات واضحا متواطئة بالصمت أو العجز ولم يعد الأمر اليوم بيدها بل أصبح في يد الشعوب الحية، ومن هنا آن الأوان أن تتحرك شعوب العالم في "مليونية الشعوب" لتقول كلمتها الفاصلة: كفى للقتل، كفى للتجويع، كفى للإفلات من العقاب.


وعلى العالم أجمع أن ينهض ليضع إسرائيل في قفص العدالة حيث مكانها الطبيعي كدولة مجرمة ارتكبت أبشع الجرائم ضد الإنسانية.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز