رامي زهدي
واليوم، في نسختها لعام 2025 التي تُعقد في مصر من 28 أغسطس حتى 10 سبتمبر بقاعدة محمد نجيب العسكرية، تتجاوز المناورات بعدها التقليدي، لتُصبح حدثًا استراتيجيًا يضع القارة الإفريقية في قلب التحولات الأمنية، ويمثل رافعة لتعزيز قدرات الجيوش الإفريقية في مواجهة التحديات المتشابكة.
وفقًا للبيانات الرسمية، تشارك 14 دولة بقوات قتالية تتجاوز 8,000 مقاتل موزعين على القوات البرية والجوية والبحرية وقوات الدفاع الجوي والقوات الخاصة. كما تشارك نحو 29 دولة بصفة مراقب، ليصل العدد الإجمالي إلى 43–44 دولة، وهو رقم غير مسبوق يعكس الطابع الدولي للمناورات.
وبالنسبة لإفريقيًا، تُشارك مصر (الدولة المُضيّفة) وجنوب إفريقيا بقوات على الأرض، فيما تحضر عدة دول إفريقية بصفة مراقب مثل أوغندا، تونس، كينيا، نيجيريا، غانا، رواندا، جيبوتي، تنزانيا، مالاوي، موريتانيا، وبوروندي. هذه المشاركة الواسعة تكرس موقع القارة كشريك فاعل في صياغة منظومات الأمن الجماعي، وتمنحها فرصة نادرة لاختبار قدرات جيوشها في بيئة عملياتية مشتركة.
لكن لماذا تهم المناورات القارة الإفريقية؟
أهمية بالغة لهذا الحدث بالنسبة للقارة الإفريقية علي عدة أبعاد، منها البعد الأمني والعسكر، فالنجم الساطع ليست مجرد تدريب تقليدي، بل مختبر عمليات مشتركة يتيح للجيوش الإفريقية اختبار قدراتها في سيناريوهات متقدمة تشمل مكافحة الإرهاب، الأمن البحري، الدفاع الجوي، والقوات الخاصة.
والقيمة الكبرى هنا هي تعزيز قابلية العمل المشترك بين الجيوش الإفريقية وحلفائها، بما يضمن انسجام العقيدة القتالية ونظم القيادة والسيطرة، وهو ما ينعكس مباشرة على أداء بعثات حفظ السلم الإفريقية والأممية التي تزداد الحاجة إليها في مناطق النزاعات.
أيضا علي مستوي مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، فالسيناريوهات التدريبية تُحاكي التحديات الأمنية في القارة: من تنظيمات الإرهاب في الساحل الإفريقي، إلى تهديدات القرن الإفريقي والبحر الأحمر، التدريب على تكتيكات القوات الخاصة، الإسناد الجوي، والاستخبارات الميدانية يوفّر للجيوش الإفريقية خبرة عملية يصعب الحصول عليها خارج هذه المنصات الكبرى.
وتمثل أيضا دبلوماسية دفاعية وشبكات علاقات دولية عسكرية قوية، فالمناورات تمثل منصة دبلوماسية دفاعية بامتياز، حيث تلتقي الجيوش الإفريقية مع شركاء دوليين كأمريكا، الناتو، والهند (التي دفعت بـ 700 جندي متنوع) اضافي الي باقي الدول المشاركة، بما يخلق شبكات اتصال استراتيجية تُترجم لاحقًا إلى برامج تدريب ثنائية، تسليح، ودعم لوجستي.
ورغم أن الجانب العسكري هو الأكثر وضوحًا، إلا أن للنجم الساطع أبعادًا اقتصادية ومجتمعية لا تقل أهمية، فاقتصاديًا، المناورات تضخ طلبًا على الخدمات اللوجستية، التموين، النقل، والصيانة داخل مصر، بما ينعكس على الاقتصاد الوطني، ويعزز من مكانة مصر كمركز إقليمي لتقديم الخدمات الدفاعية. كما تُحوّل المناورات إلى معرض حيّ لأنظمة التسليح، ما يفتح فرصًا أمام الصناعات الدفاعية الإفريقية الباحثة عن حلول منخفضة الكلفة.
اما مجتمعيًا، فيتم إدماج عناصر مدنية مثل الصليب الأحمر ومنظمات دولية يُتيح تدريبًا على بروتوكولات القانون الدولي الإنساني، والإغاثة في حالات الكوارث، وهو ما يعزز قدرات الحماية المدنية في الدول الإفريقية المشاركة.
مصر النجم الساطع والمكاسب الإفريقية
يمثل الحدث بالنسبة لمصر ترسيخا لمكانتها كـمركز تدريب عملياتي إقليمي قادر على استضافة وإدارة تدريبات متعددة الجنسيات، وتعميق شراكتها مع الولايات المتحدة، إلى جانب تعزيز دورها القيادي في القارة الإفريقية.
ولإفريقيا، يمثل الحدث رفعا لمعيار الاحتراف العسكري، وتوسيع شبكة العلاقات العملياتية، وبناء رصيد مشترك يمكن استدعاؤه في بعثات الاتحاد الإفريقي أو الأمم المتحدة، كما تُقلل المناورات من كلفة التدريب الخارجي عبر توفير منصة إقليمية ذات طابع عالمي.
النجم الساطع 2025 ليست مجرد مناورة عسكرية، بل هي إعلان استراتيجي عن مكانة إفريقيا في المعادلة الأمنية الدولية، فمشاركة أكثر من 43 دولة، بينها حضور إفريقي بارز، تعني أن القارة باتت جزءًا من معادلات الأمن العالمية، وأن مصر تقود من قلبها منصة لتجسيد العمل العسكري المشترك، ومكافحة الإرهاب، وتأمين الممرات البحرية الحيوية.
وبينما ينظر العالم إلى إفريقيا كمسرح تنافس جيوسياسي واقتصادي، فإن هذه المناورات تمنح القارة فرصة لبناء أمنها الجماعي وتعزيز قدرتها التفاوضية مع القوى الكبرى، ليس فقط بالسلاح، بل أيضًا عبر الاقتصاد والتعاون متعدد الأطراف.