البث المباشر الراديو 9090
د. رانيا أبو الخير
لم تكن المرة الأولى ولن تكن الأخيرة أن تستقبل الأراضي الصينية معرضًا للحضارة المصرية القديمة، كان آخرها المعرض المعنون بـ"على قمة الهرم.. حضارة مصر القديمة"، والذي أُقيم في متحف شانغهاي على مدى ثلاثة عشر شهرًا متواصلة، عُرضت فيه 788 قطعة من الآثار المصرية القديمة.

وقد حظي هذا المعرض باهتمام كبير من جانب الأثريين الصينيين، بل ومن جانب أبناء الشعب الصيني المولعين بكنوز الحضارة المصرية، فقد وصل هذا الولع إلى الحد الذي وصفت فيه الصحافة الصينية إقامة هذا المعرض بـ"الحدث الملحمي"، وهو بالفعل حدث ثقافي ملحمي سواء من حيث حجم الآثار المعروضة فيه، إذ يُقدَّر أن 95% من هذه الآثار كانت تُعرض للمرة الأولى في القارة الآسيوية بأسرها فلم يسبق لها العرض من قبل، أو من حيث حجم الإقبال الذي سجل أرقامًا قياسية، إذ استقطب ما يزيد على 2.77 مليون زائر، فضلًا عن حجم المتابعة والتفاعل عبر الإنترنت والذي سجل أكثر من 30 مليون متابعة، أو من حيث الإيرادات المحققة التي تجاوزت 760 مليون يوان (أي ما يقارب 108 ملايين دولار)، هذا كله وفقًا للتقديرات التي نشرها الجانب الصيني.

ويعني ما سبق أن هذا المعرض مثّل واحدًا من أكبر المعارض في تاريخ المتاحف الحديثة في الصين، سواء من حيث عدد الزوار أو حجم الإيرادات أو مدى الوصول إليه عبر المنصات الرقمية، ويدل على ذلك ما ذكره "تشو شياو بو" مدير متحف شانغهاي في حديثه للصحافة الصينية بأنه: "على مدار أكثر من 340 يومًا فُتح خلالها المعرض لاستقبال الزوار، توافد عليه أكثر من 8000 زائر يوميًّا في المتوسط، فيما استقبل المعرض يوم 16 أغسطس وحده 23149 زائرًا خلال فترة فتحه على مدى الـ24 ساعة في ذلك اليوم، وهو رقم لم يسبق أن سجله المتحف من قبل".

ومن نافل القول إن الإحصاءات التحليلية التي نُشرت في الصحافة الصينية عن هذا المعرض وما حققه من نجاحات تدفعنا إلى تسجيل ملاحظتين مهمتين: الأولى، تتعلق بدور المعارض الأثرية في تشجيع الحركة السياحية الوافدة إلى مصر، إذ يرى البعض أن وجود مثل هذه المعارض قد يكون بديلًا عن قدوم السائحين إلى الدولة، إلا أن الرأي الأرجح في هذا المضمار أن إقامة المزيد من مثل هذه المعارض يحقق العديد من الفوائد والمكاسب المباشرة من خلال ما تحققه هذه المعارض من إيرادات وما تنشره من معارف عن تاريخ الحضارة المصرية القديمة.

كما أنه في الوقت ذاته يُسهم بشكل غير مباشر في تشجيع حركة السياحة الوافدة إلى مصر، وهو ما حققه هذا المعرض في زيادة عدد السياح الصينيين الوافدين إلى مصر بنسبة بلغت 65 في المائة وفقًا لبعض التقديرات، وبغض النظر عن هذه النسبة يظل أثر مثل هذه المعارض فاعلًا في دفع حركة السياحة الوافدة في ضوء ما يقدمه المعرض من معرفة ثقافية تزيد من ولع الزائرين بالإقدام على زيارة المزيد من المواقع الأثرية والمتاحف.

أما الملاحظة الثانية، فتتعلق بدور مثل هذه المعارض في تعميق التبادل الثقافي وخاصة في مجال الآثار بين الحضارتين المصرية والصينية، إذ بلا شك أن هذا المعرض أسهم في توسيع المعرفة الصينية بالحضارة المصرية القديمة، وشجع الأثريين الصينيين على التواجد ضمن البعثات الأثرية العاملة في مصر، وهو ما تحقق بالفعل، فقد أُعلن في المؤتمر الصحفي الأخير الذي نظمه مدير متحف شانغهاي أن "المتحف، استنادًا إلى النجاح المحقق في هذا المعرض، سيتعاون مع المجلس الأعلى للآثار المصرية لإجراء أعمال تنقيب وبحث في منطقة ممفيس، أول عاصمة لمصر القديمة، بهدف تعزيز التعاون الثقافي بين البلدين وإبراز تقدم الصين في مجال علم الآثار على الساحة العالمية.

وتُعد هذه أول مشاركة معمقة لفريق تنقيب صيني في إحدى أقدم وأهم المناطق الأثرية بمصر". مع الأخذ في الاعتبار أن هذا التعاون لم يكن الأول من نوعه، بل سبقه تعاون أثري مصري – صيني أيضًا في مدينة سقارة، وهو ما يحتاج إلى تنظيم معرض آخر يُقام على الأرض الصينية لعرض الآثار المكتشفة.

هكذا، نخلص إلى القول بأن إقامة معرض "قمة الهرم" وغيره من المعارض الأثرية تمثل حلقة تواصل بين أقدم الحضارات العريقة الضاربة بجذورهما في أعماق التاريخ، كما يعكس حجم الود بين الشعبين المصري والصيني.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز