رامي زهدي
الدولة المصرية، بما تمتلكه من رصيد عميق في إدارة التحولات المعقّدة، ما تزال ترى أن إعادة الإعمار ليست فعلًا إنشائيًا أو ردّ فعل لاحقًا للحرب، بل شرطًا أساسيًا لمنع تجدد الصراع والحفاظ على مكتسبات السلام.
يرسّخ البيان الرئاسي رؤية مصر التي تقوم على أن السلم المستدام في إفريقيا يبدأ من الإنسان؛ من قدرته على العيش الكريم، وامتلاكه لفرص العمل، وتوفر منظومة تعليم وصحة وبنية تحتية قادرة على استيعاب الطموحات. لذلك لم يكن مستغربًا أن يركز البيان على تطوير آليات بناء مؤسسات الدولة الوطنية، وإعادة دمج المجتمعات، وتعزيز قدرة الحكومات على توفير الخدمات والاحتياجات الأساسية.
وتظل رسالة مصر الدائمة للقارة هي الدعم الثابت، والاستراتيجية التي لا تتغيّر، وتصميمها المستدام على الاستمرار في لعب دور رئيسي داخل الاتحاد الإفريقي، خاصة في ملف "ما بعد النزاعات"، الذي أصبح أحد أكثر الملفات حساسية في القارة. وتحرص مصر على وضع محددات واضحة لهذا الدور، أبرزها تعزيز الملكية الوطنية لجهود إعادة الإعمار، بحيث تكون الدول المتأثرة بالنزاعات هي القائد الرئيسي لمسارات إعادة البناء، مع تقديم مصر الدعم الفني والخبرة المؤسسية. وكذلك دمج التنمية في معادلة الأمن، باعتبار أن الحلول الأمنية وحدها لا يمكن أن تنتج سلامًا طويل الأمد. إضافة إلى تفعيل الشراكات الإقليمية والدولية عبر توسيع قنوات التعاون مع المؤسسات المالية والتنموية لدعم برامج الإعمار.
وتأتي هذه الرسائل والروح الإيجابية المصرية من القاهرة لكل عواصم القارة الإفريقية في لحظة إفريقية حرجة تتصاعد فيها النزاعات الداخلية، وتتزايد فيها الحاجة إلى نموذج متماسك يضمن عدم انهيار مؤسسات الدول.
ويمثل "أسبوع إعادة الإعمار والتنمية" حدثًا مصريًا–إفريقيًا يستهدف تحويل المبادئ العامة إلى برامج عمل واقعية. وتأتي النسخة الخامسة تحديدًا لتؤكد نضوج التجربة المصرية في قيادة هذه المنصة، حيث يتركز عملها على عرض تجارب الدول الإفريقية في إدارة ملفات المصالحة، ونزع السلاح، وإعادة توطين النازحين، واستعادة الخدمات الأساسية، ومنح مساحة للقطاع الخاص والمجتمع المدني للمشاركة في صياغة حلول مبتكرة لتسريع التعافي. إضافة إلى التركيز على بناء قدرات الكوادر الإفريقية في مجالات التخطيط الاقتصادي، والأمن المجتمعي، والحلول التقنية.
وبهذا المعنى، لم يعد الأسبوع مجرد مناسبة سنوية، بل أصبح أداة تشغيل إقليمية مرتبطة بأولويات الاتحاد الإفريقي، ومرتبطة أيضًا برؤية «إفريقيا 2063» لدعم التكامل والتنمية.
أما مصر، فهي دولة تبني السلام قبل أن تدعو إليه، وتقدّم تجربتها الواقعية المُلهِمة، بعد أن أثبتت التجربة المصرية على مدار سنوات أن القاهرة لا تقدم نصائح من الخارج، بل تقدم خبرة عملية اكتسبتها من قدرتها على تثبيت مؤسسات الدولة، وإدارة أزمات معقدة، وتحقيق معدلات نمو رغم الضغوط. ولذلك فإن ما تعرضه مصر على الدول الشقيقة لا ينحصر في الدعم السياسي والدبلوماسي، وإنما يمتد إلى برامج إعادة بناء المؤسسات الحكومية، وتدريب الكوادر الأمنية والإدارية، ودعم جهود نزع السلاح ودمج المقاتلين، وكذلك تعزيز جاهزية الدول للتعامل مع آثار التغيرات المناخية، إضافة إلى تقديم دعم فني لإنشاء بنية تحتية قادرة على تحمل الصدمات.
وتمثل مصر إحدى الدول القليلة في القارة التي جمعت بين القدرة على التنفيذ والقدرة على التأثير السياسي، وهو ما يجعل حضورها في ملف إعادة الإعمار أكثر ثباتًا وفاعلية.
لكن، لماذا يكتسب البيان الرئاسي للرئيس عبد الفتاح السيسي، رائد الاتحاد الإفريقي لملف إعادة الإعمار والتنمية، هذه الأهمية في هذه المناسبة؟
الإجابة: لأن البيان يحدد موقع مصر بصفتها دولة مركزية في قيادة ملف إعادة الإعمار داخل الاتحاد الإفريقي، كما يعيد ترتيب الأولويات الإفريقية عبر التركيز على التنمية وليس فقط فض النزاعات. وأيضًا يمنح رسالة قوية للشركاء الدوليين بأن مصر مستعدة لقيادة نماذج ابتكارية في إحياء الدول الخارجة من النزاعات، كما أنه يربط بين الأمن القومي المصري والسلم الإفريقي عبر التأكيد أن استقرار الجوار الإفريقي مصلحة مصرية مباشرة. كذلك فإن توقيت البيان، بالتزامن مع إطلاق النسخة الخامسة، يعكس انسجامًا بين الرؤية السياسية ومنصة التنفيذ، وهو عنصر يميز السياسة المصرية عن غيرها.
وتؤمن مصر بأن مستقبل السلم في إفريقيا لن يتحقق بالشعارات، بل بتعزيز قدرة الدول على إدارة مواردها، وتأمين مجتمعاتها، وإطلاق الاقتصاد المحلي. ولذلك تعمل مصر على تحويل أسبوع إعادة الإعمار إلى مركز تفكير إقليمي لتبادل الخبرات، ومظلة للتنسيق بين المانحين والمؤسسات المالية، ومنصة لإطلاق مشاريع تنموية في الطاقة والطرق والتعليم والصحة والتحول الرقمي. وفي الوقت نفسه تحرص القاهرة على دمج الشباب الإفريقي، والقطاع الخاص، والمرأة، والمجتمع المدني في هذه العملية باعتبارهم القوة الحقيقية القادرة على حماية السلم من السقوط مجددًا.
لقد قدّم البيان الرئاسي، وإطلاق النسخة الخامسة من أسبوع إعادة الإعمار والتنمية، نموذجًا واضحًا لسياسة مصر الخارجية؛ سياسة تقوم على تحويل الالتزامات الأخلاقية إلى برامج تنفيذية، وعلى بناء الشراكات بدلًا من إدارة الأزمات، وعلى تعزيز قدرة الدول الإفريقية على النهوض من تحت الركام والعبور من مرحلة الصراع إلى مرحلة الاستقرار والنمو.
إنها رسالة مصر الواضحة: «سلام إفريقيا يبدأ من البناء، ومصر اختارت أن تكون في مقدمة ورائدة البناء والسلام والتنمية بالقارة».