أحمد محمود
ويُعد مشروع محطة الضبعة للطاقة النووية أول وأكبر مشروع للطاقة النووية في تاريخ مصر، ويقع على الساحل الشمالي الغربي في محافظة مطروح، بمنطقة الضبعة.
وتتكون المحطة من أربعة مفاعلات من الجيل الثالث، ومن المتوقع أن تنتج ما يقرب من 35 مليار كيلوواط / ساعة سنويًا، وهو ما يعادل نحو 12% من احتياجات مصر من الكهرباء بحلول عام 2030.
ويُعزّز ذلك بشكل كبير أمن الطاقة المصري، ويقلل اعتماد مصر على الغاز الطبيعي بنحو 7 مليارات متر مكعب سنويًا، مما يخفف الضغط على مخزون الغاز الطبيعي، كما يسهم في الوقت نفسه في تقليل الانبعاثات الكربونية، إذ لا تصدر المحطة غازات دفيئة وتنتج طاقة نظيفة تساهم في حماية البيئة.
وقد تم تنفيذ هذا المشروع بمشاركة واسعة من عدة شركات محلية وعالمية؛ من أبرزها هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء، وهي المالك والمشغل للمشروع في مصر، بالتعاون مع شركة روس آتوم (ROSATOM) الروسية، وهي المقاول الرئيسي للمشروع، التي تتولى منظومة الهندسة والتوريد والبناء، بالإضافة إلى توريد الوقود النووي ودعم التشغيل والصيانة.
وشاركت في المشروع أيضًا شركة كوريا للطاقة المائية والنووية، وهي شركة كورية جنوبية متخصصة في تشغيل محطات الطاقة النووية والكهرومائية، وتابعة لشركة كوريا للطاقة الكهربائية (KEPCO)، حيث تشارك في إنشاء مرافق توليد الكهرباء بالمحطة. هذا بالإضافة إلى مشاركة شركات مصرية كبرى في إنشاءات المحطة مثل شركة بتروجيت، وشركة حسن علام، وشركة المقاولون العرب، بعد فوز هذه الشركات بمناقصات لتنفيذ أعمال البناء والتشييد الأساسية بالمحطة، كما تم إشراك نحو 600 شركة في المشروع، 25% منها مصرية، مع توظيف عمالة مصرية تصل نسبتها إلى حوالي 80%.
وتُعد هذه الشراكات نموذجًا للتعاون الدولي والمحلي في مجال الطاقة النووية، مع جهود واضحة لتوطين الصناعة وزيادة المحتوى المحلي والخبرة النووية المصرية.
والحقيقة أن هذا المشروع بتقنياته المتقدمة إنما تحقق بفضل التعاون المصري الروسي؛ إذ حققت روسيا تطورًا تقنيًا واسعًا في مجال المفاعلات النووية، لا سيما بتطوير سلسلة مفاعلات الجيل الثالث، التي تُعد من أكثر المفاعلات النووية أمانًا وكفاءة في العالم.
وتعتمد هذه المفاعلات على تقنيات متقدمة مثل أنظمة السلامة السلبية التي تعمل تلقائيًا دون الحاجة إلى تدخل بشري أو طاقة كهربائية، من خلال تصميم مقاوم للكوارث الطبيعية كالزلازل، وأنظمة متعددة الحواجز للحماية القصوى من الإشعاعات.
ويستخدم مفاعل الضبعة النووي التكنولوجيا الروسية المتطورة، إذ يعتمد مباشرة على مفاعل من طراز VVER-1200 من الجيل الثالث المطوّر، وهو مفاعل يوفر قدرة إنتاجية عالية مع مستوى عالٍ من الأمان وفعالية تشغيلية كبيرة. وقد أدخلت روسيا تحسينات على الوقود النووي المستخدم لتوفير عمر أطول بين دورات التزود بالوقود، وزيادة الكفاءة وتقليل النفايات النووية.
والخلاصة أن هذا التطور في تقنية الجيل الثالث قد ساعد مصر على تحقيق حلمها ببناء محطة نووية تضم أربعة مفاعلات متطورة، مما يرفع قدرتها على تأمين الطاقة النووية النظيفة والآمنة، مع ضمان معايير أمان عالمية ومتانة تشغيلية.
ويُحقق المشروع العديد من الآثار الإيجابية التي تدعم نمو الاقتصاد وتعزز الاستدامة المالية ومصادر الطاقة، ليصبح مفاعل الضبعة النووي ركيزة اقتصادية واستراتيجية مهمة للاقتصاد المصري.
وأخيرًا، فإن محطة الضبعة ليست مجرد مشروع تقني، بل رؤية استراتيجية لمستقبل الطاقة في مصر، تُمكّن الدولة من تحقيق استقلالية في الحصول على مصادر الطاقة بتقنيات حديثة ومتقدمة، وتضعها ضمن الدول الرائدة في مجال الطاقة النووية السلمية في الشرق الأوسط.
كما توفّر المحطة مصدرًا مستقرًا وموثوقًا للطاقة، يساهم في تعزيز الاقتصاد الوطني من خلال التخفيف من استهلاك الغاز الذي يمكن توجيهه للتصدير أو للصناعات المحلية، مع توفير فرص استثمارية وتنمية صناعية وتقنية كبيرة في أنحاء البلاد.