البث المباشر الراديو 9090
حسام الدين الأمير
لم يعد هدم الدول يتم بالقنابل وحدها، ولا صار إسقاط المؤسسات مرهونا بغزوٍ عسكري أو دبابة تعبر الحدود؛ فالعصر الحديث كشف أن أخطر أنواع الحروب هي تلك التي تُدار من الداخل بنفس العقلية، وبنفس أدوات التشويه والافتراء، وبنفس الرغبة في ضرب جذور الدولة حتى تنهار.

ما فعلته إسرائيل في غزة من تدمير ممنهج لبنية تحتية لمجتمع كامل، ومحاولة اقتلاع هوية شعب من جذوره، لا يختلف كثيرا عن المنهج الإخواني الذي اتخذ من التحريض والتشويه سلاحا، ومن بث الفوضى طريقا، ومن هدم ثقة الناس في مؤسساتهم هدفا ثابتا، كلاهما إسرائيل والإخوان لا يتورعان عن استخدام الكذب، والمظلومية المصطنعة، وتزييف الحقائق، والتحريض على مؤسسات الدولة لتحقيق غاية واحدة هي إضعاف الدولة حتى تسقط.

ولهذا لم يكن غريبا أن تتحول الانتخابات المصرية إلى ساحة جديدة لمحاولات التنظيم الإرهابي، الذي يسعى بكل أدواته من منصاته المشبوهة حتى عناصره المتخفية إلى تشويه الاستحقاق الدستوري، وضرب شرعية الدولة، وإفساد الثقة بين المواطن ومؤسساته، فما يعجزون عنه عبر السلاح يحاولون تحقيقه عبر الأكاذيب.

وهو ما تكشفه الحملة المسعورة التي تشنها الجماعة المحظورة عبر منصات التواصل الاجتماعي، من خلال نشر مقاطع فيديو ومحتويات مفبركة تسيء للمشهد الانتخابي في محافظات المرحلة الثانية، وقد استغلت الجماعة دعوة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي بضرورة أن تكون الانتخابات معبرة عن إرادة المواطن، ونزيهة وشفافة، وهي الدعوة التي ترجمتها الهيئة الوطنية للانتخابات بالاستجابة الفورية لكل الطعون المقدمة وفحصها بدقة، وصولًا إلى قرار إعادة الانتخابات في عدد من دوائر المرحلة الأولى.

هذا السلوك الإيجابي من الدولة المصرية حولته الجماعة المحظورة إلى مادة للهجوم؛ محاولة من خلاله تشويه المشهد الديمقراطي الذي بدت عليه العملية الانتخابية، فقامت من خلال لجانها الإلكترونية ببث بوستات ومنشورات تشكك في نزاهة انتخابات المرحلة الثانية، وتروج لروايات واتهامات بالفساد والمال السياسي وتزوير إرادة الناخبين على عكس الحقيقة تماماً.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك الأمر بل عمدت الجماعة إلى تسويق مقاطع فيديو لأشخاص يقومون بتوزيع أموال على مواطنين، زاعمين أنها حالات لشراء الأصوات رغم أن هذه المقاطع لم تصور أمام أي لجنة انتخابية، ولا يظهر فيها ما يدل على أن الأموال تقدم مقابل مقابل الصوت الانتخابي، وبرغم أنه لا يمكن إنكار وجود بعض الممارسات الفردية التي قد تصدر من بعض الناخبين وهي ممارسات لا ترقى إلى شبهة الفساد السياسي ولا تمثل المشهد العام فإن الجماعة استغلتها لتصوير المشهد وكأنه فساد ممنهج.

وخلال يومي الاقتراع في المرحلة الثانية، حولت الجماعة المحظورة مواقع التواصل الاجتماعي إلى منصة لحرب دعائية كاملة تهدف إلى زعزعة الاستقرار، وضرب ثقة المواطن في دولته، وتشويه الاستحقاق الديمقراطي بكل وسيلة ممكنة.

ولنا جميعا أن نعرف أن جماعة الإخوان وممارساتها لم تكن يوماً ما مجرد رد فعل سياسي، بل هي جزء من منهج دولي منظم يعتمد على هدم الدول من الداخل عبر ضرب مؤسساتها وتشويه صورتها أمام مواطنيها أولًا ثم أمام العالم.

هذا المنهج يقوم على ثلاث ركائز تتلخص في التشكيك الدائم في شرعية مؤسسات الدولة، تأليب الشارع عبر الأكاذيب والتحريض، وخلق أزمات مصطنعة تظهر الدولة دائما في موضع العجز.

ومن خلال خلايا التنظيم المنتشرة في عدد من الدول، تعمل الجماعة على اختراق المجتمعات، واستغلال القضايا الاجتماعية والاقتصادية كوقود لإشعال الفوض، ولنا أن نعرف أن الأيديولوجيا واحدة، والأدوات متغيرة حسب كل دولة، لكن الهدف لا يتبدل فالهدف هو إسقاط الدولة وصنع بديل تابع للفكر الإخواني الدولي وهنا لنا في النموذج المصري ومحاولة إسقاط الدولة عظة وعبرة حيث تعتبر مصر النموذج الأبرز لمحاولات الإخوان التاريخية في إسقاط دولة قوية ذات مؤسسات راسخة، وهو ما تحاول القيام به إلى الآن وهو ما ظهر منذ لحظة خروج التنظيم من السلطة، حيث تبنى الإخوان منذ هذه اللحظة استراتيجية "الأرض المحروقة" والتي تقوم على تضخيم أي أزمة مهما كانت صغيرة، وصناعة روايات كاذبة عن مؤسسات الدولة، وتوظيف الإعلام الخارجي والمنصات الدولية لتشويه المشهد المصري، ومحاولة ضرب الروح الوطنية وثقة المواطن في القيادة السياسية، وهو ما يتجلى أمامنا الآن لكن قوة الدولة المصرية، وتماسك مؤسساتها، ووعي الشعب نفسه، جعلت كل هذه المحاولات قبل ذلك مجرد "فقاعات" تتبخر أمام الواقع، وتنكشف أكاذيبها مع كل محطة مفصلية، سواء كانت إنجازات اقتصادية أو استحقاقات انتخابية أو نجاحات دبلوماسية، وهو ما سيتم كشفه أيضاً بأن ما فعلوه أمس ومستمرون فيه اليوم هو " فقاعات".

وعلينا أن نعرف أن التكنولوجيا باتت هي السلاح القوي الذي تحارب به الإخوان الشعوب، والسوشيال ميديا باتت هي السلاح الأخطر في يد الجماعة، حيث أسست آلاف الحسابات واللجان الإلكترونية خارج مصر وداخلها، لإطلاق حملات ممنهجة تهدف إلى صناعة رأي عام زائف من خلال نشر فيديوهات مفبركة أو مبتورة وإغراق المنصات ببوستات متشابهة لتضليل المستخدم وتكرار الأكاذيب حتى تبدو حقيقة لمن لا يملك المعلومات والترويج للأزمات وطمس النجاحات والمحاولات المستمرة لخلق صدام بين المواطن ودولته، وفي الوقت نفسه تتعمد الجماعة تجاهل أي إجراءات قانونية أو رقابية أو شفافية تقدمها الدولة، وتستغل دعوات الإصلاح نفسها لتشويه الدولة، وهو ما نراه اليوم في استحقاق انتخابي مهم تحاول الجماعة ضربه لصالح أجندتها.

وكما قال المفكر الكبير عباس العقاد في وصفه الدقيق لحقيقة الإخوان أنهم ليسوا دعاة دين، بل أصحاب دعوة إلى دولة فإذا قامت دولتهم سقط الدين من حسابهم، هذا القول الذي قيل قبل عقود، يثبت اليوم صدقه مرة أخرى، فالجماعة لم تكن يوماً مشروع إصلاح ولا مشروع دولة، بل كانت وما زالت مشروع هدم متكامل الأركان، يتغذى على الفوضى، ويزدهر على الأزمات، ويعيش فقط في الظلام.

ومهما تغيرت أدواتهم من السلاح إلى المنصات الرقمية، ومن التفجيرات إلى الأكاذيب، ستبقى حقيقتهم واحدة وهي تنظيم يغتسل بالكلام ويتوضأ بالدم، ولا يتردد لحظة في حرق وطن كامل من أجل مكسب سياسي عابر.

لكن تبقى مصر، بإرادة شعبها ومؤسساتها ووعي قيادتها، عصية على الانكسار ويظل التاريخ شاهداً أن هذا الوطن لا تهدمه جماعة، ولا تنال منه حملة، ولا تسقطه أكاذيب.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز