أحمد محمود
افتتحت المؤتمر الدكتورة رانيا المشاط وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، ممثلة عن رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، إلى جانب الدكتور أشرف صبحي وزير الشباب، وأحمد كوجك وزير المالية، والمهندس إبراهيم محلب رئيس الوزراء الأسبق، والدكتور محمود محيي الدين المبعوث الأممي للتنمية المستدامة، وعدد من السفراء الأفارقة والمسؤولين الاقتصاديين المحليين والإقليميين. ويتزامن هذا المؤتمر مع أسبوع التصنيع في إفريقيا واحتفال الأهرام بـ150 عامًا.
ويهدف المؤتمر إلى مناقشة إمكانيات تسريع العمل بمنطقة التجارة الحرة القارية وتعزيز الاستثمار والتجارة بين مصر والقارة الإفريقية، ووضع رؤية تنتج آلية حكومية مشتركة لدفع وتيرة تنفيذ منطقة التجارة الحرة، وتوسيع فرص الاستثمار والتبادل التجاري بين مصر والدول الإفريقية، بما يدعم أجندة التنمية المستدامة ويعزز مكانة القارة في الاقتصاد العالمي.
والحقيقة أن الربط التجاري بين دول إفريقيا ومصر يواجه تحديات لوجستية أصيلة وقديمة، بعضها تركه الاستعمار في الأساس، ولم يتم العمل على حلّه بالشكل الكافي، مثل ضعف البنية التحتية وشبكات الطرق في وسط القارة، وأيضًا ارتفاع تكاليف التأمين بسبب الظروف الأمنية في دول تعج بالصراعات والتقلبات السياسية، مما يقلل القدرة على الوصول لأسواق تلك المناطق بأمان وبتكلفة مناسبة لتحقيق الربح، وربما الوصول إليها من الأساس.
وهناك مشكلة أخرى تواجه الشركات الراغبة في الاستثمار في إفريقيا، وهي تباين الأطر التنظيمية واختلاف أنظمة المدفوعات بين بلدان القارة، وقدرة التجارة البينية على الوصول إلى المناطق النائية في كل دولة، وهو ما يتطلب إيجاد حلول تجعل الدول الإفريقية قادرة على تعميق الروابط الاقتصادية والتجارية وربما السياسية أيضًا، بما يمكّنها من تذليل صعوبات الشحن ونقل البضائع وخفض تكاليفها، عبر إنشاء خطوط بحرية واستكمال الطرق البرية والربط بالسكك الحديدية بين الدول الإفريقية.
وأثار عدد من المتحدثين بالمؤتمر أيضًا دور الإعلام وأهمية التوعية بالإمكانات الاستثمارية من خلال إنشاء شبكات صحفية مشتركة بين الدول الإفريقية، يمكن عبرها مناقشة موضوعات تطوير البنية التحتية والتكامل المالي، وذلك من خلال إنتاج محتوى صحفي متعدد اللغات يروّج للشراكات بين دول القارة. وهو أمر يمكن تنفيذه عبر تنظيم ورش عمل إعلامية مشتركة بين بلدان القارة لتدريب الصحفيين على أساليب تغطية أعمال ومشروعات التجارة البينية والاستثمارات بشكل احترافي، بما يساعد على إطلاق حملات إعلامية مشتركة تسلط الضوء على أهمية التعاون والاستثمارات المشتركة في القارة.
لكن الإعلام والصحافة في مصر وربما في معظم دول القارة يواجهان ما تواجهه بعض الشركات والمؤسسات من نقص القدرة والملاءة المالية أيضًا، لإجراء رحلات صحفية بين دول إفريقيا لتغطية تلك الموضوعات والتوعية بالوضع الحقيقي في دول القارة، والتي أثبتت التقارير وجود مبالغة كبيرة بشأن المخاطر التي يتم ترويجها في التعامل التجاري والاقتصادي والبنكي داخل القارة.
هذا المأزق يمكن الخروج منه عبر برامج دعم من البنوك الإفريقية المشاركة، من خلال إنشاء صندوق صحفي مشترك يموّل الصحافة الاستقصائية الاقتصادية بين الدول الإفريقية، ويمكن من خلاله وضع منصات رقمية مشتركة وشراكات إعلانية أيضًا مع الشركات الإفريقية لتحقيق مدخول مالي يساعد على استمرار تلك الشراكات الإعلامية.
وربما كان أهم ما جاء به المؤتمر هو الكلمة الختامية للدكتور محمود محيي الدين، المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل التنمية المستدامة والمدير التنفيذي بصندوق النقد الدولي، وحديثه عن اقتراح مصر إنشاء "نادي للمقترضين"، والذي جاء كخطوة موازية لنادي باريس للدائنين، بهدف تبادل المشورة الفنية وتعزيز التعاون المالي بين الدول المدينة. حيث أوضح محيي الدين أن المبادرة تهدف إلى تقوية أصوات الدول المدينة داخل المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، والعمل على توفير تمويلات ميسرة أو تخفيض الديون للدول الأكثر تعثرًا، لا سيما في إفريقيا.
لكنه أوضح أيضًا أن هناك ضرورة ماسّة لإصلاح معايير الإفصاح العالمية لتقييم المخاطر بشفافية أكبر، بما يعزز الاستثمار المستدام. إذ يربط محيي الدين أهمية الإفصاح بتحقيق التقدم في المشاريع البيئية والتنموية لتتوافق مع أهداف التنمية المستدامة، وبما يحقق نهضة قارية يطمئن المواطن من خلالها إلى عودة التنمية على حياته بشكل مباشر.
وأخيرًا فإنني أظن أن المؤتمر الاقتصادي المصري–الإفريقي الأول، الذي نظمته جريدة الأهرام إبدو، يمثل خطوة مبدئية لمزيد من المؤتمرات والمناقشات التي يمكن أن تجمع المسؤولين من البلدان الإفريقية مع الصحفيين والباحثين من مراكز الدراسات، لمناقشات حقيقية يمكنها أن تجد حلولًا لمشكلات الربط بين بلدان القارة الغنية بالموارد، والتي يستطيع حلّها أن يكوّن تجمعًا اقتصاديًا قويًا يدفع تلك البلدان نحو تنمية اقتصادية واجتماعية متطورة، وربما أوضاع سياسية مستقرة أيضًا.