ريهام المهدي
بيانٌ رادع بدا كدرعٍ عربي مشترك، لا يصدر فقط عن مجموعة من الدول، بل عن وعي عربي إقليمي يُدرك أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة مسلحة بين طرفين، بل محاولة من مغتصب لإعادة تشكيل خريطة المنطقة جغرافيًا وسياسيًا، مستهدفًا دفن القضية الفلسطينية، ورفع شاهد قبر على شعب مكتوب عليه: «هنا تم بنجاح النزوح القسري لشعب عربي كامل».
القوة في البيان لم تكن فقط في اتحاد الدول الموقّعة عليه، بل أيضًا في سرعة إطلاقه وتوقيت صدوره، ولغته الواضحة التي أعلنتها وزارة الخارجية المصرية على صفحتها الرسمية بلاغًا لا يترك ثغرة لتأويل أو خيال مريض للالتفاف. وقد بدا الموقف العربي فيه لافتًا، باتحاد واسع، يعترف ويؤكد أن مصر تمثل الثقل المركزي ومحور الاتزان في إدارة الملف الفلسطيني، خاصة بعد التأكيد المصري على لسان ضياء رشوان، رئيس الهيئة العامة للاستعلامات، بأن "تهجير الفلسطينيين من غزة خط أحمر لن تقبل به مصر".
جملة قصيرة، لكنها وقعت كحدّ السيف على كل من تابع رد الفعل المصري، معلنة موقف دولة سيادي حاسم لا رجعة فيه، وناسفة أي ادعاء بوجود تفاهمات سابقة أو حالية مع أي طرف بشأن إخراج سكان غزة قسرًا إلى سيناء.
وبالتالي تحوّل المشهد، بفضل ما تروّجه إسرائيل من أكاذيب عبر وسائل إعلامها، من رواية مضلِّلة تسعى إلى تصوير أن مصر تمتنع عن أداء واجبها تجاه غزة، إلى حقيقة ثابتة وهي أن معبر رفح بالنسبة لمصر محورًا للأمن القومي، لا مجرد نقطة عبور، بل خطًا حدوديًا كامل السيادة، تدافع عنه كما تدافع عن باقي ملفات أمنها القومي مهما كلّف الأمر.
ولعل من أهم النقاط التي تستوقف القارئ في نص البيان تلك الجملة التي وردت فيه كاستدعاء ذكي لخطة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب: "ويجدّد الوزراء تقديرهم لالتزام الرئيس ترامب بإرساء السلام في المنطقة، ويؤكدون أهمية المضي قدمًا في تنفيذ خطة الرئيس ترامب بكافة استحقاقاتها دون إرجاء أو تعطيل، بما يحقق الأمن والسلام ويُرسّخ أسس الاستقرار الإقليمي".
هنا بدا واضحًا أن البيان المشترك أشار إلى خطة ترامب التي، رغم كل الانتقادات التي وُجّهت إليها سابقًا، تضمنت بنودًا جوهرية أثارت غضب الجانب الإسرائيلي، ودفعته للسعي لإجهاضها، لأنها تضمنت رسائل صريحة تتعلق بإمكانية رفع الحصانة الأمريكية عن إسرائيل إذا لم تلتزم بفتح معبر رفح في الاتجاهين لتسهيل المساعدات وعلاج المصابين، وعدم إجبار الفلسطينيين على مغادرة أرضهم قسرًا، وضمان حقهم في العودة وقتما شاءوا.
هكذا تحوّل نص البيان إلى أداة استدعاء سياسي ذكية، استُخدمت كسلاح دبلوماسي مضاد. وكأن الدول الثماني تقول لإسرائيل بمنتهى الدبلوماسية الراقية والحاسمة: «الوثائق التي استخدمتموها سابقًا ضدنا لا تخدمكم اليوم، ولا تمنحكم أي شرعية لفرض التهجير بالقوة أو المساس بسيادة حدود الدول المجاورة».
تلك هي الحقائق يا تل أبيب… حقائق لم يعد هناك مجال لتزييفها بعد الآن.
حقائق أعلنها بيان عربي لا يعبر فقط عن وحدة عربية وتضامن سياسي، بل عن اعتراض "فيتو" لا يقل قيمة عن "فيتو" مجلس الأمن الذي لطالما استخدمته واشنطن لنجاتكم.
"فيتو" فرضه واجب أخلاقي ولد من شعور عربي ـ إسلامي مشترك، رغم اختلافاتنا السياسية وتبايناتنا في الكثير من الملفات.
لقد اجتمعنا اليوم على كلمة واحدة: لن يكون التهجير قدرًا يُفرض على شعب عربي أعزل، ولن يُسمح لكم ولا لغيركم أن يتحول التهجير القسري إلى حل بيد محتل، بل جريمة ووصمة عار تطيح بكرامة أمتنا كاملة، إن سمحنا لكم أن تطعنونا في قلب قضيتنا الفلسطينية ونحن نراها تنهار وتستغيث.
القضية اليوم بالإجماع هي قضية أمة قبل أن تكون قضية نزاع سياسي.
ولن يُهجّر الفلسطيني من أرضه بعد اليوم، ولن يُشرّد أبناؤه، ولن تبكي المكلومة فقدها وحدها. وحاشا أن تحلموا باختطاف غزة.
ولن نسمح لكم ـ نحن العرب ـ بأن تتحول أرض قدسنا الحبيب إلى سطور يكتبها تاريخ قد ينسى، لكننا لن ننسى.