ريهام المهدي
ولا يبدو قرار فلوريدا، للوهلة الأولى، مجرد إجراء إداري صادر عن ولاية ذات توجه جمهوري، بل يعكس اتجاهًا جديدًا لإعادة النظر في تعريف مفهوم التهديد من منظور سياسي مرتبط بالأمن القومي، لا سيما مع تنظيمات أتقنت ارتداء الأقنعة عبر توظيف قضايا الحقوق المدنية والدينية كستار، أخفى في طياته أجندات وتمويلات مشبوهة طالت دولًا حليفة للولايات المتحدة في المنطقة.
وبرؤية تحليلية للمشهد، تكمن خطورة القرار في أن «كير» دفعت ثمن دعمها لجماعة الإخوان المسلمين في الشرق الأوسط ثمنًا باهظًا؛ فرغم أن «كير» تُعد من أكبر المنظمات المدنية المدافعة عن حقوق المسلمين في الولايات المتحدة، ولها أكثر من 30 فرعًا حول العالم، فإن توقيت إدراجها الآن كمنظمة إرهابية يثير دلالات تشير إلى أن جوهر القرار يحمل طابعًا عقابيًا سياسيًا أكثر منه تصنيفًا أمنيًا خالصًا.
ووسط زوبعة من الانقسامات بين مؤيد ومعارض، حمل القرار دلالات مباشرة وغير مباشرة تعكس ثقله السياسي والقانوني؛ فالمؤيدون يرون فيه تعزيزًا لاستقرار وأمن دول الشرق الأوسط، وعلى رأسها مصر، بينما يعتبره المعارضون نذير خطر يفتح الباب واسعًا أمام سوء استخدام سلاح التصنيفات الإرهابية بصورة مطاطية، قد تدفع الولايات المتحدة ثمنها لاحقًا أمام المجتمع الدولي.
أما عن إسرائيل، فنعم، ستحقق مكاسب جمّة من وراء هذا القرار، وإن كانت قصيرة الأجل؛ فاللجوء إلى التصنيف بـ«الإرهاب»، رغم عدم صدور قرار رسمي من الحكومة الفيدرالية حتى الآن، من شأنه إضعاف نفوذ المجتمع المدني المسلم في أمريكا والغرب، لما يحمله من استهداف ذي طابع ديني لا سياسي، تدعمه جماعات اللوبي الصهيوني واليمين المتطرف.
ويضاف إلى ذلك تخوف آخر يتوقعه محللون، يتمثل في تراجع الثقة في حيادية الوساطة الأمريكية في الشرق الأوسط، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى إعادة التوازن في المنطقة.
لكن كل هذه المخاوف، بالنسبة لنا في مصر، «لا محل لها من الإعراب»، لتجاهلها جوهر القضية الحقيقي، والمتمثل في الخلفية الوثيقة لارتباط تلك الكيانات برأس جماعة الإخوان في الشرق الأوسط. فمصر تُعد الرابح الأكبر من تداعيات هذا القرار، بدايةً من تقليص الدعم والتمويلات الممنوحة لتلك المنظمات المرتبطة بالإخوان، وما يترتب على ذلك من تحجيم للحروب الإعلامية الممولة على منصات خارجية تستهدف القاهرة، وصولًا إلى المكسب الأهم، وهو سقوط ذريعة الاضطهاد السياسي، التي تقوم عليها حملات شحن المظلومية لرموز وعناصر تلك الجماعات أمام الرأي العام الدولي.
وعليه، فإن التقييم النهائي لهذا القرار، رغم ما يحمله من مزايا وعيوب، يظل ضربة خارجية صبت في صالح مصر، وثبّتت رؤيتها بشأن خطورة دعم جماعة الإخوان المسلمين على الأمن القومي الإقليمي. وكما يُقال: «كما تُدين تُدان»، فالزمن السياسي الراهن يؤكد تآكل جدران الحماية التي اعتمدت عليها تلك الجماعة في تمويلها وحضورها على الساحة الدولية، بما يشير إلى نهاية وشيكة لمشروعها.