البث المباشر الراديو 9090
د. دينا الدوي
الأساطير ليست كاذبة حتى ولو لم تحدث، المهم أن يصدقها الناس، وحين يفعلون تصبح جزءًا من حركة الدنيا..

هناك حب يحيي النفس ويجعل الحياة أكثر نشوة وجمالًا، والله يا سادة يغير كل شيء حتى الألوان، حب يدوخ عليه معظم البشر، هناك ناس تتمنى أن تطلع من الحياة بقصة حب فقط، الحب هو جمال قفزة الغزال حين لا يهرب من شيء، والخوف والكره هما قفزاته وجحيمه حين يهرب ممن يصيده.

بعد الانتهاء من معايشة الحدوتة الحلوة "الحب بمن حضر"، وأفضل تسميتها بـ"الحدوتة الحلوة" عن الرواية لأنها أتت لنا مروية على الناي، مبدوءة بـ"كان يا ما كان"، ومنتهية بـ"كان يا ما كان"، وكان يا ما كان لكن للضرورة أحكام، وللحكايات تمام، ولابد أن نصل إليه ونصل به. فتأرجحت فصول الحدوتة بين عنوانين: "موعود وبهجة" و "راوٍ على الناي" يفصلهما عناوين: "مسعد" و "رسالة عند السادسة مساءً" و "حلم صباح"، مما أضفى على الحدوتة روحًا خاصة بها، نجحت في تصوير براءة الصغار البِكر ممزوجة بأحلام العجائز.

تقدم الرواية عالمًا سرديًّا يتقاطع فيه الحلم بالواقع، والأسطورة بالمعيش اليومي، عبر حكاية قرية صغيرة تتمحور حياتها حول "القمّينة"؛ ذلك الموقد الجماعي الذي يتحول من الطوب إلى مركزٍ للكون ورمز للقدر ولعنته، ومآل محتوم. ومن هذا المكان الملتهب تنبع الحكاية، وتتشابك مصائر الشخصيات، ويعاد تشكيل معنى الحياة والحب والموت، إنها لعنة الطين: منه أتيتم وإليه تعودون.

تنطلق الرواية من بنية تشبه الحكاية الشعبية: نبوءة قديمة، وعجوزٌ ينتظر ريحًا غامضة، وقرية تؤمن بأن حياتها مرتبطة بالقمّينة؛ تموت بموتها وتقوم بقيامها.

الرواية تتحرك بين زمنين: زمن الأسطورة، حيث ينتظر العجوز الريح، وحيث القمّينة تهدد بالقيام والفناء، وزمن الحياة اليومية وقصة حب يغلفها الانتظار.

رُسمت الشخصيات بين الأسطورة واللحم الحي؛ فالعجوز قارئ النبوءة وحامل الشعور بالخوف والذنب، ممثلًا حلقة الوصل بين الأسطورة والواقع، ينتظر الريح كما ينتظر الموت، ويعيش التوتر بين "ما يخشاه أن يحدث" و"ما يجب أن يحدث"، لكنه في الوقت نفسه يملك سلطة خفية اكتسبها من قوة الطين والنار.

أما "موعود": فهو شاب ينهض من داخل الأسطورة، يصنعها من جديد، يعامل بوصفه وارثًا للطين ووارثًا للخوف. لكن الطويلة أعاد إنتاجه كقوة حياة: هو الذي يصنع الطوب ويشكل الفخار، يحول النار إلى فن.

"وهو يغازل الطين بيديه كأنما يغازل الحياة ذاتها، يشكلها على هواه، الفرجة على الخلق، على تشكيل الدنيا ثم تغييرها بلحظة كأنما لا يجب أن تثق بشيء أو تثق به حتى يتغير".

"لم يخبرها موعود من قبل أنه يحبها حبًا كبيرًا، لم يصعد فوق قوالب الطوب ويزعق بأعلى صوته في وجهها: أحبك، مع أن كل لفتة منه كانت تقول ذلك. قال كل شيء بكل شيء ما عدا لسانه، بل نطقها بطريقة غير معتادة؛ كل قطعة من جسده تهمهم، وكل خيط من روحه كان يغني ويدلل، أسر للطين والطين باح فخارًا وألوانًا".

فيتحول موعود في مساره من شخص خاضع للقدر إلى صانع لقدره، من تابع للعجوز إلى حامل لروحه.

أما "بهجة" فاسمها "حالة" أكثر منه اسمًا، كانت عيناها تحمل كل رسائل الطمأنينة، فهي ليست مجرد معشوقة، بل قيمة روحانية وجدانية مضادة "للقمّينة". القمينة نار وتهديد، و"بهجة" نور وحياة. هي الفتاة الوحيدة التي تخرج السرد من مناخ القلق إلى مساحات نور ليست نار. معها يبدأ موعود رحلة التحرر، ومنها يعاد تعريف معنى النار.

تظل بهجة تسأل نفس السؤال مع بداية كل فصل مزين باسميهما "موعود وبهجة": هل تحبني يا موعود؟

موعود لا ينطق بالحب، "أبو الهول" على حد وصفها، ولكن كل ما يصدر منه يفعل. وبمرور فصول الحدوتة، يزداد حزنها وقلقها؛ فأصبح الحب بابًا للحزن، لا شباكًا للفرح. فيصف الراوي "بهجة" عند سؤالها المتكرر: "لم يعد سؤالًا، ولم أعد في حاجة إليه، لا باب فرج مفتوحًا، أصبح باب سوء موصدًا".

"حلقة مفرغة تحتاج إلى مشوار لحسم الأمر، ربما مشاوير".

تعبت من الأسئلة وتعبت أكثر من الردود... فتصف مشهدها قائلة: "وجدته بطينه". تعبير بليغ، وكأنه عندما غضبت "بهجة" رأت الطين "طينًا" بعلته، ولم تعد تراه وسيلة تعبير عن حبه لها بتشكيل الفخار. وكأن طول الانتظار غير نظرتها للطين: فبعد أن كان موطنًا لجمال شعوره، تغيرت رؤيتها، فأصبحت سطحية، فرأته بمعناه الحرفي "طينًا". فخرج التعبير معبرًا عن حالتها: "وجدته بطينه" ـ بكسر الحروف جميعها ـ معلنة مللها وضجرها من ثبات حاله.

بقية الشخصيات جميعهم لا يُرسمون لتكوين حكايات مستقلة، بل ليشكلوا جمهور الأسطورة… القرية، أهلها، النساء القلقات، الرجال الخائفون، الغرباء… جميعهم يشكلون انعكاسًا للمناخ النفسي الذي يضغط على البطلين. شخصيات مثل "علعول، مسعد، الشيخ شويبس" رُسمت بتفاصيل نفسية دقيقة.

حملت الرواية كثيرًا من الرمزية: الطين، النار، القمينة، وحتى أسماء الأبطال أنفسهم. فالطين رمز للإنسان، يصنع كما تصنع الطوبة، يُنفخ فيه، وكل قطعة طين تخبئ سرًا. الطين الأصل والمصير، رمز للجذور والهوية والمادة الخام التي يمكن أن تتحول إما إلى خراب أو جمال. والنار رمز للنضج؛ تمنح الدفء، وأحيانًا ترمز للخطر، فتهلك وتهدد، وهي البوابة التي يمر "موعود" من خلالها فيفهم نفسه ويبدأ في التحول من مسكون بالأسطورة إلى صانع معنى.

"القمينة" هي المكان الذي تتقاطع فيه الحكايات، ويتحرك منه القدر، تمثل القلب النابض للأسطورة، وتتحول في النهاية إلى أداة لتحديد مصائر الأبطال. فموت القمينة يعني موت القرية، وعودتها تعني قيامتها. وكما تأتي رمزًا للأمل والبناء قد تكون سببًا في الهلاك والفناء.

والأسماء لها نصيب من الرمزية: "موعود" كل شيء محكوم بالوعد، بالنبوءة، لكن تحقيقه لا يتم إلا بالفعل. و"بهجة" هي النور المضاد للقدر. وهكذا تبني الرواية علاقة بين الاسم وجوهر المضمون.

الرواية لا تقدم حدثًا واحدًا بقدر ما ترسم مناخًا ضاغطًا، والقرية بأسرها تُدار بمنطق الهواجس؛ مما يجعل الحب، عندما يجيء، حدثًا كاسرًا لهذا الجمود، ويأتي كقوة مقاومة للقدر واللعنة، ممرًّا نحو حياة مهددة بالفناء. الجميل في الرواية أنها لا تقدم الحب في هيئة خلاص كامل، بل في هيئة ضوء يفتح الطريق، بينما تبقى الظلال قائمة في الخلفية.

لا تقدم الرواية لحظة قيام القمينة كحدث أسطوري فحسب، بل ككشف السر: سر الخوف، سر الخيانة، سر الحب، سر الإنسان نفسه. فتأتي لحظة مواجهة الحقيقة سواء في القرية القديمة أو في بيت الزوج. القيامة هنا ليست نهاية العالم، بل نهاية الوهم الذي صدمته رسالة مجهولة.

وتربط الرواية بين "قيام القمينة" وقيام الحقيقة داخل النفس: فكل نار في الخارج تجد نارًا في الداخل، وهذا الترابط يمنح الرواية عمقًا نفسيًا يتجاوز حدود المكان.

أتت رمزية النار والاحتراق معبرة عن تنوع الحالات الشعورية لكل من الحبيبين وأهل القرية على حد سواء.

بقلب محروق يشمه أي عابر ولو لم يعرف موقع الشياط.

ويدور الحوار بين موعود وبهجة: ولماذا نحترق أصلًا؟

عشان نستوي زي الطين والفخار.

أو نتحول إلى رماد يا موعود.

ونرجع من جديد يا بهجة.

والعاشق يصبح معشوقًا، والمعشوق يصبح عاشقًا.

تجلت البراعة أيضًا في وصف حالة الارتباك والشكوك والغليان والفوضى التي كانت داخلهم أكثر من خارجهم. من يصل بنا إلى النهاية: نهاية قصة الرسائل والحب معًا؟ البركان على وشك الانفجار، الأرض بدأت تتشقق، البدايات عكس النهايات، والحل في يد الحلال.

الحكاية تمشي في توازٍ بين حدوتتين: واحدة ساخنة ملتهبة مليئة بالتشويق والغموض، والأخرى باردة محاطة بنار القمينة التي لم تذب جمود برودتها. والقاسم المشترك بين الحدوتتين: الانتظار...

الجميع ينتظر: أهالي القرية، الحبيبان، القراء...

يصعد بنا الطويلة على صفيح ساخن؛ الرجال تنتظر: ماذا بعد؟والنساء تنتظر الستر، وبهجة تنتظر أن تنفك عقدة لسان موعود، وموعود موعود بالانتظار، محاط بالنار من كل اتجاه... والقراء ينتظرون: من فعلها؟ ما الآتي؟

لا أحد يعرف ميعاد القيامة، هناك علامات، لكن الناس تبالغ في التأويل، ربما من الخوف وأحيانًا لتبدو في موضع العارف، لكن هذه قيامة لا تحتاج إلى فتاوى.

والحاضر لا أحد يعرف له رأسًا من ذيل؛ الكل تائه، ثور مغمى عليه يدور حول ساقيه، محاط بالنار من أربع جهات.

الحب بمن حضر... هذا العالم المغلق الذي تخنقه الخرافة ويحركه الخوف، لا يكسره سوى الحب؛ الحب الذي يأتي ليقلب ميزان القدر ويمنح النار معنى آخر غير الهلاك. لكن "بهجة" لا تسأله الآن عن الحب؛ حضر في غير وقته، جاء في وقت الفتنة، والفتنة تأكل كل شيء حتى الأحلام الطيبة. الفتن هي أكبر شر يمكنه أن يحرق سيرة الناس وسيرة المكان، ولا سلاح يمكن أن ينقذ البشر منها إلا الحب.

كتابة وحيد الطويلة كتابة نابضة، معبرة، غزيرة وحية، تكاد تنبهر بوصف أو بجملة ليلاحقك بما يليها... فيتضاعف الشعور... وصفتها من قبل بالمهيبة.

الطويلة متسارع الأفكار، نابض الوصف. لغة الرواية أحد أهم عناصر قوتها؛ فالجمل القصيرة تعتمد على لغة مشحونة بالإيقاع، فاللهجة وسط بين الفصحى والدارجة تعطي للنص ملمسًا حيًا، والجمل تنحت صورًا حسية قوية. فالطين يُشم، والنار تُسمع، والخوف يُلمس، وحضور أسلوب التكرار يمنح النص طابعًا شفهيًا كأن الراوي يحكي حول نار قديمة.

بناء الأسطورة وتوليد هذه اللغة، رغم شعريتها، لا ينسلّ إلى التزيين الفارغ، بل يبقى محمولًا بوظيفة الإيقاع النفسي. لغة بسيطة صافية، لا تفقد بساطتها وقربها من الوجدان الشعبي.

جعل الطويلة من حياة البسطاء وتفاصيلهم صورًا حية، مرسومة بكلمات معجونة بطين الناس، من واحد من الناس وإلى الناس، مصوّرًا إياها داخل عالم روائي بذائقة أدبية بنكهة طبيعية خالصة.

ولعلّ أهم ما يميّز تجربة "الطويلة" هو قدرته على النفاذ إلى الطبقات العميقة من التجربة الإنسانية، ولا سيما في البيئات المهمّشة التي تتصدّع تناقضاتها وصراعاتها المكبوتة. ففي ثنايا نصوصه يتكشف انشغال واضح برصد حيوات الشخصيات التي تعيش على هوامش المجتمع، تلك التي تلقي على كاهلها أثقال القمع والخذلان، وتواصل ـ رغم ذلك ـ بحثها الدائم عن خلاصها الخاص وحقها في البقاء.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز