البث المباشر الراديو 9090
محمود حمدي حماد
في الآونة الأخيرة انتشر وبصورة ملحوظة الحديث عن الاتجار في الأعضاء البشرية، وباتت تفوح رائحة هذه الجريمة النكراء على وسائل التواصل الاجتماعي.

تظل هذه الجريمة، وصمة عار في ضمير المجتمع الإنساني ككل، قبل أن تكون وصمة عار في جبين مرتكبها ومن ساعده، وتظل ذنبًا لا يُغتفر في حماية الجسد الإنساني.

في زوايا العالم المظلمة تُرتكب جريمة صامتة تمزق نسيج الإنسانية وتستهدف قدسية الجسد البشري نفسه. "الاتجار بالأعضاء البشرية" ليست مجرد تجارة محظورة، إنما انتهاك صارخ للحق في الحياة والسلامة الجسدية، واستغلال بشع لأكثر الفئات الإنسانية ضعفًا، تُحوَّل فيها الأجساد إلى سلع، والكرامة الإنسانية إلى سعر بخس في سوق سوداء قاتمة.

وحيث إن الاتجار بالأعضاء البشرية ـ يعرّفه بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص ـ هو تجنيد أو نقل أو إيواء أو استقبال أشخاص بغرض الاستفادة منهم عن طريق نزع أعضائهم، فإن خطورة هذه الجريمة تكمن في استغلال الضعفاء والفقراء أو حتى الطامحين إلى تحسين معيشتهم، حيث تستهدف الشبكات الإجرامية الفقراء والمهاجرين غير الشرعيين واللاجئين والمشرّدين مستغلة حاجتهم الشديدة للمال.

بالإضافة إلى المخاطر الصحية الجسيمة، حيث تتم عمليات النزع في عيادات غير مرخصة وغير صحية وبأدوات غير معقّمة وبدون رعاية طبية لاحقة كافية.

كما أنها تنتهك الكرامة الإنسانية وتحول الإنسان إلى مجرد "مستودع أعضاء" مستنزف لأجل الربح المادي فقط.

والأخطر من ذلك أنها تقوّض ثقة المجتمع في الطب، حيث تهدد هذه الجريمة أسس نظام التبرع بالأعضاء التطوعي والخيري الذي ينقذ حياة الملايين من البشر.

وفي الإطار القانوني، تسعى معظم الدول، ومنها مصر والدول العربية، إلى تجريم هذه الأفعال في قوانينها.

في مصر يعاقب قانون مكافحة الهجرة غير الشرعية وتهريب المهاجرين بالسجن المشدد والغرامة المالية كل من قام أو اشترك في الاتجار بالأعضاء البشرية، كما يعاقب قانون العقوبات بالسجن المؤبد كل من أزال عضوًا من جسد إنسان حي أو ميت دون موافقة أو بطرق احتيالية أو بالإكراه.

وفي دول أخرى تختلف العقوبات بين السجن لفترات طويلة وغرامات باهظة، لكن التحدي يكمن في تنفيذ هذه العقوبات وتطبيقها.

ولذلك يجب تعزيز التشريعات بتشديد العقوبات وضرورة سن قوانين شاملة وواضحة تُجرّم جميع جوانب الاتجار، مع فرض عقوبات رادعة أشد مما هي عليه الآن.

كما يجب تعزيز تبادل المعلومات والمساعدة القانونية المتبادلة ومتابعة التحقيقات عبر الحدود بين أجهزة إنفاذ القانون والنيابات العامة في الدول المختلفة.

ومن ناحية أخرى، يجب توفير الحماية والرعاية الطبية والنفسية والقانونية للضحايا والشهود وتشجيعهم على الإبلاغ دون خوف، مع زيادة حملات التوعية بمخاطر الاتجار وكيفية الإبلاغ عنه، وتصحيح المفاهيم الخاطئة حول التبرع بالأعضاء البشرية، وكذلك مراقبة المؤسسات الطبية وتشديد الرقابة على المستشفيات والعيادات ومراكز زراعة الأعضاء لضمان التزامها بالمعايير الأخلاقية والطبية والقانونية.

ختامًا، فإن الاتجار بالأعضاء البشرية يعد جريمة وحشية تستدعي استجابة عالمية حازمة ومتضافرة وجهدًا حثيثًا، حيث تعتبر هذه الجريمة ليست مجرد خرق للقانون، بل هي اعتداء على جوهر الإنسانية. والقضاء عليها يتطلب أكثر من نصوص قانونية، فهي تستلزم إرادة سياسية قوية وتعاونًا دوليًا لا يتزعزع، واستثمارًا في الأنظمة الصحية الأخلاقية وحماية حقوق المستضعفين. كما يجب أن تظل الأعضاء البشرية هِبةً للحياة تُمنح بإرادة وكرامة، وليست سلعة تُباع وتُشترى في سوق آثمة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز