د. رانيا أبو الخير
وانطلاقًا من تلك الأهمية التي تحظى بها الجزيرة، أضحت في قلب سباق النفوذ العالمي اليوم، ليس فقط بما تمتلكه من موارد طبيعية نادرة، بل بما أكسبها موقعها الجغرافي من دور جيواستراتيجي متعاظم في معادلة النفوذ على قمة النظام العالمي، في منطقة تتنافس فيها القوى الأقوى عالميًا (الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الروسي، والصين الشعبية)، إلى جانب الاتحاد الأوروبي الذي يواجه واحدة من أخطر الأزمات في تاريخه السياسي منذ تدشينه في نهاية خمسينيات القرن المنصرم.
والحقيقة أن التطورات المتسارعة في الساحة الدولية والإقليمية تجعل من أزمة الجزيرة أزمة معقدة ومتشابكة، في ظل تصاعد الخطاب الأمريكي الذي يعبر عنه الرئيس دونالد ترامب حينما يضع الأزمة بين فكي رحى، إذ وضع الجميع أمام خيارين للسيطرة على الجزيرة: إما اللين أو الشدة، الأمر الذي يثير معه العديد من الأسئلة حول مستقبل الجزيرة إذا ما استهدفتها الولايات المتحدة الأمريكية؟ وما رد الفعل المتوقع من جانب دول حلف شمال الأطلسي الذي تنتمي إليه الدنمارك كعضو فاعل فيه؟ هل سيلتزم الصمت الذي يضرب مصداقيته، أم يتحرك وفقًا لعقيدته دفاعًا عن إحدى دوله في مواجهة الاعتداء على سيادتها؟ وهنا نكون إزاء حالة تُعد الأولى من نوعها في تاريخ الحلف منذ تأسيسه، أن تهاجم إحدى دوله دولة أخرى عضوًا فيه.
وإذا كانت الإجابة على هذه الأسئلة تفتح مسارات عديدة، فإنها تصب في النهاية في مسار واحد، وهو أن الناتو (حلف شمال الأطلسي) أصبح وجوده على المحك، بما ينذر ببداية تفككه أو على الأقل تراجع مكانته. وإن كان هذا السيناريو مطروحًا إذا ما أقدمت الولايات المتحدة على تنفيذ تهديدها بالحصول على الجزيرة بالقوة من خلال اللجوء إلى السيناريو العسكري، إلا أن ثمة سيناريوهات أخرى لا تزال مطروحة، يمكن أن تضع حلًا للأزمة وليس نهاية لتصاعد التوتر بين ضفتي الأطلسي، من بينها إمكانية التوصل إلى اتفاقية ارتباط بين الدنمارك والولايات المتحدة، بحيث تحتفظ الجزيرة باستقلال شكلي عن الدنمارك، مع منح سلطات أوسع للجيش الأمريكي، وعقد اتفاقات تجارية واستثمارية لاستغلال موارد الجزيرة. ومن بينها أيضًا إبرام اتفاق بين الدنمارك والولايات المتحدة تحتفظ فيه الدنمارك بالسيادة الاسمية على الجزيرة، مع تعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة عبر توقيع اتفاقات تجارية واستثمارية، ووجود عسكري أمريكي مباشر على الجزيرة.
ورغم احتمالية القبول بأحد هذين السيناريوهين بعيدًا عن السيناريو العسكري، فإن هذا لم يمنع من وجود سيناريو آخر يظل بارزًا أمام الجميع، حينما تتجه الولايات المتحدة إلى ممارسة المزيد من الإكراه والضغط الاقتصادي على الدنمارك من أجل بيع هذه الجزيرة إليها، بما يعطيها الحق في استغلالها كجزء من أراضيها، لتعيد بذلك سياسة كانت جارية فيما مضى، بالإقدام على شراء الجزر، كما هو شأن بعض الولايات المنضوية تحت لوائها اليوم.
خلاصة القول إن مستقبل أزمة جزيرة جرينلاند يحمل معه ملامح القادم دوليًا وإقليميًا، خاصة بعد أزمة فنزويلا واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، بما حملته تلك العملية من انتهاك صارخ للقانون الدولي، وتأتي أزمة الجزيرة لتضيف انتهاكًا جديدًا للشرعية الدولية؛ حيث تتراجع القواعد القانونية والسيادة الوطنية أمام عجرفة القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية.