محمد البياع
هذه الفكرة لم تكن مثالية، لكنها منحت الناس شعورًا بأن هناك قواعد عامة: لا اعتداء بلا حساب، ولا قوة بلا حدود، ولا ظلم بلا مساءلة.
اليوم، يبدو أن هذا التصور يتآكل ببطء… حتى كاد ينهار. لم يعد خرق القانون الدولي استثناءً، بل أصبح قاعدة. ولم تعد القوة تخجل من إعلان نفسها.
الدول الكبرى لم تعد تحتاج إلى كثير من التبرير، والضعفاء لم يعودوا يجدون من ينصفهم.
في السابق، كان المعتدي يحاول، على الأقل، أن يبرر، أن يختلق قصة، أن يتظاهر بالالتزام بالقانون.
أما الآن، فكثير من الانتهاكات تُرتكب علنًا، بلا اعتذار، وبلا خوف حقيقي من العقاب.
هذا التحول لم يحدث فجأة، بل جاء نتيجة تراكمات.. تراجع فعالية المؤسسات الدولية، واستخدام القانون كأداة سياسية بدل كونه ميزان عدل، وازدواجية المعايير في التعامل مع القضايا الكبرى، وتغليب المصالح الاقتصادية والعسكرية على القيم الإنسانية.
ومع كل أزمة تمر دون محاسبة حقيقية، تتآكل فكرة «النظام» أكثر.
ومع كل صمت عالمي على ظلم واضح، يتأكد للجميع أن القوة هي اللغة الوحيدة المفهومة.
الخطر هنا لا يخص دولة بعينها، بل العالم كله. فعندما تسقط القواعد، لا يبقى إلا منطق الغابة.. الأقوى يفرض، والأضعف ينجو إن استطاع.
والأسوأ أن هذا النموذج يصبح قابلًا للتقليد. فإذا رأت الدول الصغيرة أن الكبار يفعلون ما يشاؤون بلا حساب، فلماذا تلتزم هي بالقواعد؟ وهكذا تتحول الفوضى من استثناء إلى ثقافة عامة.
إن انهيار النظام العالمي لا يعني انفجارًا واحدًا كبيرًا، بل يعني سلسلة من الانزلاقات الصغيرة.. تجاوز هنا، صمت هناك، استثناء يتحول إلى عادة… حتى نجد أنفسنا في عالم بلا مرجعية، ولا معيار ثابت للعدل.
السؤال الحقيقي ليس: هل النظام العالمي عادل؟ بل: هل سيبقى هناك نظام من الأساس؟ لأن غياب العدل مؤلم، لكن غياب القواعد بالكامل أخطر بكثير.
عندما تسقط القواعد، لا يبقى في الساحة سوى الأقوى، ويصبح الضعيف مجرد تفصيلة منسية في مشهد الفوضى.
من القانون إلى القوة… هكذا ينتقل العالم بهدوء من لغة العدالة إلى منطق البطش.
هل ينهار النظام العالمي بهدوء؟ أم أننا اعتدنا صوت التشقق فلم نعد نسمعه؟
إن نهاية القواعد الكبرى لا تعني الحرية، بل تعني بداية زمن بلا مرجعية ولا أمان.
حين يصبح الخرق هو القاعدة، يفقد القانون هيبته، ويفقد الإنسان شعوره بالحماية.
هنا يبرز السؤال الأخطر: العالم بعد العدالة… من يحكم حين تغيب المعايير؟ ومن ينجو حين تختفي القواعد؟
وفي الحقيقة، لم تسقط فكرة النظام الدولي فجأة، بل تآكلت قطعة بعد أخرى حتى صارت ظلًا لما كانت عليه. ومع كل تراجع، يفرض منطق الغابة نفسه في العلاقات الدولية؛ منطق لا يحتاج إلى تبرير… يكفيه أن يكون الأقوى.
وفي هذا الواقع المختل، لم تعد العدالة وحدها قادرة على كبح القوة.
وباتت المواءمات السياسية هي الحل العملي الوحيد للحد من البطش حين يغيب العدل.هي حلول مؤقتة، هشة، لكنها صارت الوسيلة المتاحة لتقليل الخسائر في عالم لم يعد يحترم قواعده، عالم تُدار أزماته بالصفقات لا بالمبادئ، وبالتوازنات لا بالحقوق.
والانهيار البطيء أخطر من السقوط المفاجئ، لأنه يحدث ونحن نعيش حياتنا كأن شيئًا لا يتغير.
فهل ما زال هناك شيء اسمه «نظام عالمي»، أم أننا نعيش وهمًا جميلًا اسمه القواعد أو حتى الأعراف الدولية؟