البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود
بينما كنت أستمع إلى ندوة مناقشة كتاب "الكتابات المجهولة لسلامة موسى" للكاتب روبير الفارس في معرض الكتاب، وأحاول فهم وتحليل النقاشات والتعليقات القادمة من القاعة، والتي جاء بعضها حاملاً اتهامًا بالتطرف الفكري واضطهاد الكُتّاب والمفكرين المسيحيين، قفز إلى ذهني أن الأزمة ربما كانت أبعد من ذلك، وأن الاضطهاد ليس موجّهًا للكُتّاب والمفكرين المسيحيين تحديدًا، بل ربما كان رفضًا للتطلع إلى المستقبل أصلًا.

وأظن أن استشراف التقدم الذي حدث في العصر الذهبي للدولة الإسلامية، والرغبة الملحّة في إعادة ذلك التفوق، جعلا كثيرين يتخذون ـ فيما يبدو ـ مسارًا معاكسًا؛ فبدلًا من النظر إلى المستقبل، اتجه هؤلاء إلى النظر إلى الماضي.

كان السلف في بداية نشأة الدولة الإسلامية يتطلعون إلى المستقبل، وهو ما يمكن اعتباره ـ مجازًا ـ فقه التطلع إلى المستقبل؛ إذ نشطت حركة الترجمة عن العلوم الشرقية في فارس، وكذلك عن فلاسفة اليونان: سقراط وأفلاطون وأرسطو، وهو ما ساهم في نهضة عظيمة دفعت بالدولة الإسلامية الوليدة آنذاك إلى آفاق رحبة من العلم والتطور.

وباتت تلك الدولة، التي امتدت أرجاؤها من الصين شرقًا إلى الأندلس غربًا، نموذجًا للتنوير، علَّم الغربَ، الذي كان يرزح في غياهب الجهل، كلَّ العلوم التي ربما أوصلتهم إلى ما هم فيه الآن من تقدم وتطور.

والحقيقة أننا حين نتأمل عصر النهضة الإسلامية الأول، سنجد أن هؤلاء "السلف" اعتمدوا على الاجتهاد، الذي كان المحرك الأساسي للنهضة الإسلامية الفكرية، وهو فعل "مستقبلي" يبحث عن حلول لمعضلات موجودة، أو لم تكن موجودة سابقًا أيضًا.

لكن المفارقة المؤلمة الآن هي أن كثيرًا من التيارات الفكرية الإسلامية الحالية، خاصة السلفية منها، تحاول اليوم "استنساخ" تلك العصور حرفيًا، ربما ظنًا منها أن الإصلاح واللحاق بالنهضة الإسلامية القديمة يكون عبر محاكاتهم في الملبس والمأكل والسلوك الظاهري، متناسين أن أهم صفة ساعدت السلف على التطور كانت الديناميكية لا السكون.

والحقيقة أيضًا أن المقارنة بين المعتزلة والأشاعرة في مسألة «العقل والنقل» تمثل العمود الفقري لعلم الكلام الإسلامي؛ ذلك العلم الذي ساهم في النهضة العربية، وجعل الدولة العربية الإسلامية تتفوق على إمبراطوريات ذلك العصر، إذ إن علم الكلام لم يكن مجرد ترف فكري، بل هو العلم الذي حدّد مسار العقل العربي لقرون طويلة في التاريخ.

ولمن لم يقرأ الفلسفة، يمكن تعريف فرقة المعتزلة بأنها تلك الفرقة التي انضمّت إلى واصل بن عطاء، وهو أبو حذيفة واصل بن عطاء الغزال، المولود سنة 80 هـ. ولم يكن واصل تلميذًا مباشرًا لأبي موسى الأشعري، الذي توفي قبل ولادة واصل بنحو عشرين عامًا، بل كان التلميذ الأبرز للحسن البصري.

وبدأت شهرته عندما اختلف مع أستاذه الحسن البصري في مسألة "مرتكب الكبيرة"، فاعتزل حلقة الدرس وجلس في ناحية أخرى من المسجد، فقال الحسن البصري: "اعتزلنا واصل"، ومن هنا سُمّيت حركته بالمعتزلة.

وضع المعتزلة العقل في مرتبة الحاكم على كل شيء، انطلاقًا من مبدأ أن العقل هو الذي أثبت وجود الله وأثبت صدق الرسالة.

وبدأت الحركة كنقاش كلامي "فلسفي ديني" على يد واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، حيث كان التركيز في هذه المرحلة منصبًا على قضايا "المنزلة بين المنزلتين" والقدر.

وتميّزت هذه الفترة بالبساطة والزهد والابتعاد عن السلطة، مع التركيز على الدعوة ونشر الإسلام بالحجة لمواجهة الحركات الإلحادية والمانوية التي بدأت تظهر في البصرة.

ثم أعجب الخليفة المأمون، وهو «أبو العباس عبد الله بن هارون الرشيد»، سابع خلفاء الدولة العباسية، بالمنهج العقلاني للمعتزلة، وجعل المذهب المعتزلي مذهبًا رسميًا للدولة.

يؤمن المعتزلة أيضًا بأن العقل قادر بمفرده على إدراك الحسن والقبح في الأشياء؛ فالعدل حسن، والظلم قبيح بذاتهما، والله يأمر بالعدل لأنه حسن.

ولا يمكن للعقل أن يقبل نصًا يخالف هذه البديهيات. وهم ينادون أيضًا بتأويل النص، أي أنه إذا جاء نص شرعي "آية أو حديث" يصادم العقل، فإنه يجب تأويل النص ليوافق العقل، لأن العقل قطعي، والنقل في دلالته قد يكون ظنيًا.

أما الأشاعرة، فكانوا يؤمنون بأن العقل خادم للنقل؛ إذ جاء أبو الحسن الأشعري بمنهج وسط حاول فيه استخدام المنطق والعقل لإثبات عقائد أهل السنة، لكنه وضع حدودًا صارمة لسلطة العقل، فجعل وظيفة العقل هي إثبات صدق النص.

كما يرى الأشاعرة أن الحسن هو ما أمر به الشرع، والقبيح هو ما نهى عنه الشرع، وأن العقل لا يملك معايير ذاتية للحكم على الحسن والقبيح. وقد صاغ الرازي لاحقًا قاعدة "القانون الكلي"، والتي تنص على أنه إذا تعارض العقل والنقل، قُدّم العقل وأُوّل النقل.

وقد كانت هناك محاولات لإعادة قراءة التراث من خلال فكر المعتزلة، ويُعد محمد عابد الجابري، وهو مفكر وفيلسوف مغربي وُلد سنة 1935 وتوفي عام 2010، من أهم العقول العربية التي انشغلت بسؤال: "لماذا تقدم الغرب وتأخرنا نحن؟"، وكيف يمكننا قراءة تراثنا، والذي كان المأمون جزءًا منه، بعين ناقدة وعصرية.

وهو من أبرز من أعادوا "قراءة" التراث في محاولة لتفكيك أسباب تراجع المنطقة العربية والإسلامية. وفي مشروعه الضخم "نقد العقل العربي" لم يرَ في الخلاف بين المعتزلة والأشاعرة مجرد ترف فكري، بل اعتبره نقطة التحول التي سلك فيها العقل العربي طريقًا أدى به إلى الجمود.

يعتقد الجابري أيضًا أن العقل العربي دخل في حالة "استقالة" منذ القرن الرابع الهجري. هذه الاستقالة حدثت عندما تم تهميش العقل المعتزلي "البرهاني"، والنتيجة أن العقل العربي أصبح "عقلًا مستقيلًا" لا ينتج معرفة جديدة، بل يكتفي بشرح الشروح وتلخيص المتون القديمة، وهو ما يفسر "أزمة الفكر" التي شعرتُ بها أنا في ندوة "الكتابات المجهولة لسلامة موسى".

وأخيرًا، أعتقد أننا في حاجة إلى إعادة النظر مرة أخرى في مناهج الفكر العربي، وربما يمكن القول أيضًا إننا في حاجة إلى تبنّي مواصفات العقل الذي اعتمد عليه المعتزلة في التفكير، ليس في قراءة التراث فحسب، بل أيضًا في كل مناهج الإدارة والتعليم؛ إذ ربما يكون هذا التوجه مفيدًا جدًا في التحليل العقلي للمشكلات التي تعترض الإدارة، وليس فقط الفكر.

وأظن شخصيًا أن هذا التوجه هو جوهر منهج "ريادة الأعمال" الذي أنقذ الغرب في العقد الماضي من الكساد.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز