د. رانيا أبو الخير
وخلال الزيارة، التقى ستارمر الرئيس الصيني شي جين بينغ، ورئيس الوزراء لي تشيانغ، ورئيس المجلس الوطني لنواب الشعب تشاو لي جي، وهو ما منح دلالة قوية على طبيعة التوجه الذي يحمله ستارمر نحو إعادة تموضع علاقات بلاده مع الشريك الصيني. إذ اعتبر أن التقارب مع الصين بات «فريضة اللحظة الراهنة» في ظل ما يمر به العالم من «الأوقات الصعبة»، كما وصفها، الأمر الذي يستوجب بناء شراكة استراتيجية شاملة مع بكين، في ضوء المكانة الدولية التي باتت الصين تحتلها في عالم اليوم.
وأكد ستارمر هذا التوجه خلال لقائه مع الرئيس الصيني، بقوله: «الصين لاعب محوري على الساحة الدولية، ومن الحيوي بناء علاقة أكثر عمقًا معها، لا تُمكننا من تحديد فرص التعاون فحسب، بل تسمح لنا أيضًا بإجراء حوار هادف حول القضايا التي نختلف فيها». وهو ما يعني أن الحوار الذي دشنه ستارمر مع الصين حمل هدفين رئيسيين.
الهدف الأول تمثل في تحديد فرص التعاون المشترك، وقد تحقق جزء كبير منه خلال هذه الزيارة، حين وقّع البلدان على 12 وثيقة تعاون حكومية في مجالات التجارة والزراعة والغذاء والثقافة وغيرها. كما شهدت الزيارة استئناف الحوار الأمني رفيع المستوى بين البلدين، وعقد جولة من الحوار الاستراتيجي والاقتصادي والمالي، إلى جانب اجتماعات مشتركة للجان الاقتصادية والتجارية، واجتماعات مجموعة العمل المالية الصينية–البريطانية، ومنتدى التأمين الصيني–البريطاني.
ولم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل اتفق الجانبان على ضرورة تعزيز التبادلات الشعبية وتيسير تبادل الكوادر، بما يسهم في تعميق التفاهم وتعزيز الثقة المتبادلة، مع الحرص على توسيع التعاون بين الهيئات التشريعية في البلدين. كما اتخذت بكين قرارًا بخفض الرسوم الجمركية على بعض الصادرات البريطانية، فضلًا عن رفع العقوبات التي كانت مفروضة منذ عام 2021 على عدد من البرلمانيين البريطانيين.
أما الهدف الثاني من الحوار، فيتمحور حول القضايا محل الخلاف، ولا سيما قضية الهجرة غير الشرعية، التي تمثل حساسية بالغة لحزب العمال في ظل تصاعد أعداد المهاجرين الذين وصلوا إلى السواحل الجنوبية البريطانية، اعتمادًا على القوارب الصغيرة المصنوعة في الصين. ومن هنا، جاء الحوار لتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية بين البلدين، في محاولة لمنع بيع المصنعين الصينيين لقطع غيار القوارب، بما يضمن عدم استغلالهم من قبل عصابات الجريمة المنظمة، كما ورد في بيان داونينغ ستريت.
إلى جانب ذلك، تبرز حاجة البلدين إلى توفير بيئة مواتية تسمح لشركات كل طرف بالاستثمار لدى الطرف الآخر، في إطار بيئة أعمال عادلة وشفافة وغير تمييزية، فضلًا عن وجود ملفات أخرى متباينة بين الجانبين.
وخلاصة القول، إذا كان صحيحًا أن الزيارة مثلت جسرًا جديدًا لتقارب بريطاني–صيني، فإنها في الوقت ذاته تظل مرهونة بمدى قدرة كل طرف على تنفيذ التزاماته، في ظل حالة الترقب الأمريكية لمخرجاتها وتفاهماتها، ولا سيما من الجانب البريطاني. إذ يثور تساؤل محوري حول كيفية موازنة بريطانيا بين تحالفها الوثيق مع الولايات المتحدة، الذي وصفه ترامب بقوله إن «الولايات المتحدة وبريطانيا حليفان قريبان للغاية»، وبين انفتاحها المتزايد على الصين، في ظل تصاعد التباينات الغربية مع التوجهات الصينية في العديد من الملفات والقضايا.
وهو تساؤل ستجيب عنه الأيام المقبلة، إذا ما تحولت الاتفاقات الموقعة بين البلدين إلى وقائع ملموسة على الأرض. فحينها، قد لا يكون من المبالغة القول إن المعسكر الغربي بدأ يشهد تصدعات واضحة، من شأنها أن تؤثر – بلا شك – على تماسكه، في ظل الهيمنة الأمريكية على حلفائها داخل حلف «الناتو»، وهي الهيمنة التي بدأت تشهد تراجعًا ملحوظًا مع تصاعد أزمة جرينلاند.