البث المباشر الراديو 9090
محمود الروبي
"العالم الموازي" هو ذلك الفضاء الذي يعيش فيه البعض، وتُفسَّر فيه الخسائر باعتبارها انتصارات مؤجلة، ويُعاد تعريف الاستنزاف بوصفه صمودًا، ويُقدَّم غياب الأفق السياسي على أنه خطة لا يدركها إلا المؤمنون بها.

أما في الواقع، فالاستراتيجية علم وليست خطابًا تعبويًا يشغل النفوس، فهي معادلة دقيقة تربط بين الهدف والوسيلة والكلفة. وعندما تختل هذه المعادلة يصبح الفشل نتيجة حتمية.

في العالم الموازي تستمر السردية والأوهام رغم استمرار الخسائر، أما العالم الحقيقي فلا يعترف إلا بالنتائج.

تتطور الأحداث العسكرية بسرعة مربكة، ويغيب معها أحيانًا المنطق الذي يحكم علم الاستراتيجية. تعلمنا أن الحرب ليست غاية في ذاتها، بل أداة لتحقيق هدف سياسي مُحدد وقابل للتحقق. وحين ينفصل الفعل العسكري عن غايته يتحول إلى عبث.

ما نشهده في إيران ولبنان، وقبل ذلك في غزة، يكشف خللًا بنيويًا في الربط بين الوسيلة والغاية. نرى بدايات لا يُراد لها نهاية واضحة. بينما يقتضي مبدأ وحدة الهدف السياسي أن يكون لكل تصعيد سقف معلوم، ونهاية يمكن فرضها أو التفاوض عليها. من دون ذلك، يصبح التصعيد مسارًا مفتوحًا بلا مآل، ويمنح الخصم فرصة كتابة فصوله كما يشاء.

في الحالة الإيرانية، يتكرر دعم مسارات اشتباك متعددة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الدول الخليجية، رغم وضوح اختلال ميزان الكلفة والمردود، فالخسائر المتراكمة تمنح الطرف الأكثر تفوقًا فرصة رفع مستوى القوة تدريجيًا. وهكذا ينتقل التحكم بإيقاع الصراع إلى الخصم لا إلى من بدأه.

أما في لبنان، حيث تعاني الدولة أصلًا من انهيار اقتصادي ومؤسساتي، فإن إدخال البلاد في معادلات عسكرية تفوق قدرتها، بقرار منفرد من حزب الله، يضاعف هشاشة الداخل. النتيجة ليست تسجيل موقف انتقامي لاغتيال المرشد وقيادات الحرس الثوري، بل تآكل إضافي في القدرة الوطنية الشاملة: اقتصاديًا، واجتماعيًا، ومعنويًا.

المُفارقة أن هذه المسارات، بدلًا من تقييد حركة إسرائيل، وسّعت هامش مناورتها تحت مظلة “الدفاع عن النفس”. وهكذا تُعاد إنتاج مشروعية الإجراءات العسكرية بصورة مستمرة، لأن البيئة ذاتها تُغذّي المسار الذي تجيد إسرائيل العمل ضمنه.

لا مكسب سياسي ملموس، ولا كلفة يمكن احتواؤها. فقط دائرة تصعيد تُدار بإيقاع الخصم.

وعندما يكون الدمار مؤكدًا والمكسب افتراضيًا، لا يكون الصراع مقاومة، بل إدارة متكررة للهزيمة مهما تغيّر الاسم..

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز