أحمد محمود
إن أي قراءة منصفة لواقع الجامعة العربية اليوم، تستوجب منا أولاً أن نلقي تحية تقدير وإعزاز للأداء الاستثنائي الذي قدمه الوزير أحمد أبو الغيط عقب توليه قيادة الجامعة العربية؛ إذ تسلم أبو الغيط دفة القيادة والمنطقة تموج بالاضطرابات التي أعقبت زلزالاً أطلقوا عليه في الغرب توصيف "الربيع العربي"، وقتها كانت مؤسسة الجامعة ذاتها مهددة بالانزواء أو التفكك.
لكن أبو الغيط، وبحنكة دبلوماسية مشهودة، وصبر وتأنٍ يحسد عليهما، استطاع أن يلم شتات الموقف العربي، ويحافظ على "الحد الأدنى" من التوافق الذي منع انهيار منظومة العمل المشترك.
واليوم، يأتي نبيل فهمي ليكون بمثابة تطور طبيعي لهذا الأساس المتين؛ إذ يمكن بكل بساطة القول بأنه إذا كانت قيادة أبو الغيط قد اتسمت بـ"دبلوماسية التثبيت والإبقاء"، فإن المرحلة المقبلة التي ربما يقودها فهمي يمكن تسميتها ببساطة مرحلة "الاسترداد والتأثير". لتصبح عملية تسليم وتسلم إدارة الجامعة حينئذ، عملية تتم بين قامتين مصريتين وعربيتين، يجمعهما حب الوطن وتميزهما الأدوات؛ إذ يمكن التنبؤ بأن فهمي يستطيع بمهارة أن يتصدى لنقل الجامعة من مرحلة "إدارة الأزمات" إلى مرحلة "صناعة المبادرات".
والحقيقة أن ما يجعل نبيل فهمي شخصية فريدة في المجال السياسي العربي، هو هذا الدمج النادر بين "الممارسة الميدانية الخشنة" و"امتلاك الفهم العميق للنظرية الأكاديمية"؛ إذ عمل السفير نبيل فهمي في أصعب المحطات الدبلوماسية؛ من واشنطن التي تمثل مطبخ السياسة العالمية، مروراً بالعاصمة اليابانية طوكيو، ووصولاً إلى قيادة الدبلوماسية المصرية في لحظة فارقة عقب ثورة يونيو 2013؛ إذ لم يكن نبيل فهمي في تلك الفترة مجرد وزير خارجية لجمهورية مصر العربية، بل كان "مهندس استعادة التوازن"، إذ استطاع برصانته المعهودة أن يعيد صياغة علاقات مصر الدولية في وقت تآمر فيه الكثيرون.
والحقيقة أيضاً أنه بجانب هذا التاريخ الحافل، يأتي البعد الأكاديمي كإضافة نوعية لم يحظَ بها الكثيرون؛ فبصفته عميداً مؤسساً لكلية الشؤون الدولية والسياسات العامة بالجامعة الأمريكية، يمتلك فهمي "لغة العصر". هو يدرك أن العالم اليوم لا يُدار بالخطابات العاطفية فقط، بل بلغة الأرقام والمصالح أيضاً، واستشراف المستقبل بالتأكيد.
هذا العمق الأكاديمي هو ما يمكن أن يدفع الجامعة العربية للتحول إلى "مركز تفكير استراتيجي"، لا يكتفي بإصدار بيانات التنديد، بل يضع الخطط لمواجهة تحديات الأمن العربي، سواء الغذائي، أو التغير المناخي، أو استخدامات الذكاء الاصطناعي، وهي قضايا لا تقل أهمية عن الصراعات الحدودية بكل تأكيد.
إن أحد أهم الجوانب التي يمكن أن يمثلها نبيل فهمي في رئاسة الجامعة هو "أنسنة" المؤسسة؛ فالدبلوماسية في نظره ليست مجرد بروتوكولات وسجاد أحمر، بل هي أداة لتحسين حياة الشعوب. وبفضل قربه من جيل الشباب خلال عمله الأكاديمي، يدرك فهمي تماماً تطلعات المواطن العربي الشاب الذي يريد أن يرى جامعة الدول العربية شريكة في حل مشكلاته الاقتصادية، ومدافعة عن هويته في وجه العولمة الكاسحة. وحيث تعيش منطقتنا العربية اليوم على صفيح ساخن؛ بدءاً من مأساة غزة، إلى الصراع في السودان الذي يهدد وحدة الأرض، وصولاً إلى الصراعات الداخلية في ليبيا واليمن، ففي هذا المشهد المشتعل، تبدو مهارة "لم الشمل" التي يمتلكها نبيل فهمي ضرورة حتمية لتفكيك الصراعات والنزاعات في الداخل العربي.
وأخيراً، فإنني أظن أن اختيار نبيل فهمي أميناً عاماً للجامعة العربية من شأنه أن يبعث برسالة طمأنة للعالم بأن العرب يضعون على رأس بيتهم "عقلاً استراتيجياً" يعرف كيف يتحدث مع القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا والصين وغيرها، بلغة المصالح المشتركة، دون التفريط في الثوابت العربية. وأعتقد أن نبيل فهمي يمتلك القدرة اللازمة التي سوف تمكنه من تحويل الجامعة العربية إلى "قوة ضغط دولية" حقيقية، مستفيداً من علاقاته الدولية الواسعة التي بناها عبر عقود من العمل الدؤوب.