البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود
حين كتبت مقالًا بعنوان "اقتصادات المجتمعات الرقمية وتسليع الانتماء" في العدد 132 من مجلة "رؤى مصرية"، والذي ناقش تحولات الفضاء الرقمي من مساحة للتفاعل إلى بيئة تُعيد إنتاج "القبلية" وتُغذّي "غرف الصدى" في ظل هيمنة المنصات الرقمية، لم أكن أتصور أن هذا المقال "البحثي" سوف يقودني إلى لغز آخر؛ وهو كيفية صياغة المزاج العام بما يحقق ذلك الهدف.

حيث لم يعد "المزاج العام" للمجتمعات مجرد نتاج عفوي لتفاعلات يومية أو أحداث سياسية واقتصادية طارئة، بل استحال إلى "صناعة" دقيقة تعتمد على خوارزميات معقدة وسيكولوجيا الجماهير.

إن ما بدأ كبحث عن "غرف الصدى" كشف عن لغز أكثر عمقًا يدور حول كيف يمكن تحويل منصة للتواصل إلى ساحة لتوليد "اقتصاد الغضب"، ومن ثم إعادة تقسيم المجتمع إلى "قبائل رقمية" متناحرة.

تعتمد صناعة المزاج العام هنا على تقنية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها شديدة التأثير؛ حيث تبدأ العملية بـ "المحفز الفردي"، من خلال شخص ما، قد يكون مؤثرًا ويحوز أعدادًا كبيرة من المتابعين، أو حتى حسابًا وهميًا، حين يطرح هذا الشخص تساؤلاً ما، قد يبدو بريئًا في صياغته، لكنه ملغم في دلالاته.

هذا التساؤل ليس هدفًا بحد ذاته، بل هو مجرد "جس نبض" لفهم توجهات المجال العام.

وبمجرد أن يلتقط الجمهور هذا التساؤل، تبدأ المرحلة الثانية وهي الانتقاد الموجه وهنا يتم دفع النقاش نحو منطقة رمادية تثير الاستفزاز، يتبع ذلك بسرعة النقد اللاذع الذي يتجاوز الفكرة إلى الشخصنة، من خلال تساؤل يؤدي إلى انتقاد، ثم إلى تفاعل عنيف نسبيًا، ثم إلى هجوم، وهي متوالية مصممة هندسيًا لتوليد "مشاجرة رقمية".

وفي هذه اللحظة، يتوقف العقل الجمعي عن التحليل المنطقي وينتقل إلى "حالة الدفاع"، وهنا يُولد الغضب الذي يغذي خوارزميات المنصات؛ فكلما زاد الصراخ، زاد الانتشار، وتم تكريس "المزاج الغاضب" كحالة سائدة تستمر لفترات طويلة.

وتعمل الخوارزميات كوقود لهذه القبائل في منصات التواصل الاجتماعي؛ ففي "ميتا" مثلًا، تساهم "المجموعات المغلقة" في خلق بيئة معزولة لا يسمع فيها الفرد إلا صدى صوته، مما يعزز الانحياز التأكيدي.

أما في منصة "إكس"، فإن خاصية "التريند" والردود القصيرة تشجع هؤلاء الأفراد على الحدة والاختزال.

ثم تتشكل القبيلة الرقمية هنا بناءً على "العدو المشترك" وليس "الهدف المشترك"، حيث يصبح المزاج العام محكومًا بالخوف من الآخر الرقمي والترصد له، وتتحول المنصة إلى غابة من الرموز والوسوم "هاشتاج" والتي تعمل كرايات قبائلية.

يتحول الفرد داخل هذه القبائل التي ذكرتها إلى البحث عن "الذخيرة" بدلاً من البحث عن الحقيقة، ويستمر في البحث عن الوسائل التي يمكن أن يستخدمها في الهجوم على القبيلة الأخرى، وهو ما يحقق أرباحًا هائلة لمنصات التواصل الاجتماعي التي تقتات على "زمن البقاء" على المنصة؛ ذلك الزمن الناتج عن هذا الاشتباك الدائم.

وهنا يتحقق الهدف الاستراتيجي وهو صناعة المزاج العام الغاضب لاستمرار تلك المنظومة، والتي يمكن استغلالها أيضًا في إحداث التحولات السياسية.

وإذا كان فيسبوك وتويتر هما الميادين العامة، فإن "واتس آب" هو "الغرفة المظلمة" التي تُطبخ فيها التوجهات بعيدًا عن الرقابة أو التصحيح.

ففي مجموعات الواتس آب، خصوصًا حيث يتم استخدام أرقام من خارج الدول، أو حتى أرقام "بديلة" لا يمكن تتبعها، وهو ما اتجهت لاستغلاله جماعات الضغط السياسي والنشطاء والجماعات المحظورة؛ لضمان عدم قدرة أجهزة الدول على التتبع، وبذلك، يمكن بسهولة توجيه حالة المزاج العام بعيدًا عن الرقابة، بل إكساب هذا "المزاج العام" طابعًا عائليًا أو مهنيًا يمنحه ثقة زائفة.

هنا، يتم استخدام تقنية "التسريب المعلوماتي" أو "الرسائل المعاد توجيهها بكثرة" لترسيخ الغضب. وبسبب غياب آليات الردع أو التفنيد الفوري، تتحول هذه المجموعات إلى وحدات قتالية صغيرة في "القبيلة الكبرى".

وهو ما يجعل خطر الواتس آب يكمن في أنه يحول الغضب من الشأن العام إلى الشأن الخاص واليومي، مما يجعل المزاج العام في حالة استنفار دائم وتوتر لا ينطفئ.

هنا تصبح هذه القبائل الرقمية كيانات قادرة على تعطيل الحوار الوطني وتدمير السلم المجتمعي؛ حيث تعتمد على "تنميط الآخر" وتجريده من إنسانيته بمجرد اختلافه في الرأي، وهو الثمن الباهظ الذي تدفعه المجتمعات مقابل مجانية هذه المنصات.

إن فك لغز صناعة المزاج العام يبدأ من الوعي بآليات "الاستدراج الرقمي"، من خلال إدراك أن ذلك التساؤل المثير للجدل الذي تم إطلاقه من خلال ذلك الشخص "المحفز الفردي"، أو ذلك النقد اللاذع الذي تم استخدامه، قد يكون مجرد "طعم" هندسي لاصطياد الجماعات المشاركة في تلك المجموعات الرقمية نحو خندق مصطنع.

هذا الخندق هو الخطوة الأولى لتحطيم عقلانية المجال العام وإثارة هذا الغضب لضمان السيطرة على المزاج العام.

وأخيرًا، فإنني أظن أن مواجهة "القبائل الرقمية" تتطلب إدراك أعمق لكيفية عمل هذه المنظومة، ومواجهتها بطريقة تقود إلى "اقتصاد الوعي"؛ حيث يصبح الفرد قادرًا على تمييز المحفزات المصطنعة ورفض الانخراط في مشاجرات صُممت خصيصًا لاستنزافه نفسيًا وفكريًا.

وأظن أن ذلك يتطلب إعلامًا واعيًا لا ينساق خلف تلك المحفزات المصطنعة، وهو ما يجعل معركة الوعي القادمة ليست مع التكنولوجيا ذاتها، بل مع كيفية استخدامها كأداة لإعادة هندسة مجتمعنا وعقولنا الجمعية.، بطريقة آمنة ومنتجة ومفيدة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز