البث المباشر الراديو 9090
الدكتورة سماء سليمان
تقوم العلاقات الدولية تقليديًا على حسابات القوة والمصالح والتوازنات الاستراتيجية، حيث تسعى الدول إلى بناء سياساتها الخارجية استنادًا إلى ما تمتلكه من معلومات وقدرات وتقديرات مستقبلية.

غير أن التجربة التاريخية أثبتت أن السياسة العالمية لا تتحرك فقط وفق ما تعرفه الدول، بل كثيرًا ما تتأثر بعوامل غير متوقعة تظهر فجأة وتقلب موازين القوى رأسًا على عقب، ومن هنا برز مفهوم "العامل المجهول" أو ما يُعرف في الفكر الاستراتيجي الحديث بـ Unknown Unknowns، أي "الأشياء التي لا نعرف أننا نجهلها".

ويُعد هذا المفهوم من أكثر المفاهيم تأثيرًا في تحليل الأزمات الدولية المعاصرة، لأنه يشير إلى حدود المعرفة البشرية نفسها، فالدول قد تكون مدركة لبعض المخاطر المعروفة، وقد تعلم بوجود ملفات تحتاج إلى معلومات إضافية، لكنها تظل عاجزة عن توقع أحداث أو متغيرات لم تكن أصلًا ضمن دائرة التفكير أو الاحتمال، وهنا يكمن الخطر الحقيقي في السياسة الدولية: ليس في ما نعرفه أو حتى فيما نعرف أننا نجهله، بل فيما لا نتخيل وجوده أساسًا.

برز هذا المفهوم بصورة كبيرة على لسان وزير الدفاع الأمريكي السابق دونالد رامسفيلد خلال حديثه عن التحديات الأمنية التي واجهت الولايات المتحدة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فقد ميّز بين ثلاثة مستويات من المعرفة: أشياء نعرفها، وأشياء نعرف أننا لا نعرفها، ثم "المجهولات المجهولة"؛ أي تلك التهديدات أو المتغيرات التي لا تخطر أصلًا في الحسابات السياسية والاستراتيجية لغياب المعلومات عنها. وقد كشفت أحداث كبرى في العقود الأخيرة مدى صحة هذا التصور، إذ إن كثيرًا من التحولات العالمية لم تكن متوقعة حتى لدى أكبر أجهزة الاستخبارات والخبراء.

فانهيار الاتحاد السوفيتي مثلًا حدث بسرعة لم يتنبأ بها معظم المحللين الغربيين، كما أن هجمات سبتمبر غيّرت النظام الأمني العالمي بصورة لم تكن ضمن التصورات الأمريكية التقليدية، وكذلك الأمر بالنسبة لجائحة كورونا التي شلّت الاقتصاد العالمي وأعادت تشكيل أولويات الدول خلال أسابيع قليلة، رغم التقدم العلمي والتكنولوجي الهائل.

وتتجلى أهمية مفهوم "المجهولات المجهولة" اليوم بوضوح في العلاقات الصينية الأمريكية، التي تمثل المحور الرئيسي للصراع الدولي المعاصر، فالولايات المتحدة تدرك أن الصين قوة صاعدة تهدد تفوقها العالمي، بينما تعرف الصين أن واشنطن تحاول الحد من تمدد نفوذها الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري، إلا أن المشكلة الكبرى تكمن في أن الطرفين لا يعرفان تمامًا طبيعة التحولات القادمة أو شكل النظام الدولي المستقبلي.

فعلى سبيل المثال، لا يمكن لأي من القوتين أن يتنبأ بدقة بما قد تسببه الثورة المتسارعة في الذكاء الاصطناعي، فقد يؤدي تطور تكنولوجي مفاجئ إلى تغيير ميزان القوى العالمي بصورة غير مسبوقة، أو قد تظهر أدوات سيبرانية جديدة قادرة على تعطيل البنية التحتية للدول الكبرى دون الحاجة إلى حرب تقليدية، كذلك فإن قضية تايوان تمثل بؤرة خطيرة للمجهولات المجهولة؛ إذ إن حادثًا صغيرًا أو سوء تقدير سياسي قد يتحول إلى مواجهة دولية واسعة يصعب السيطرة على نتائجها.

كما أن الترابط الاقتصادي العميق بين الصين والولايات المتحدة يخلق بدوره مستوى جديدًا من عدم اليقين، فالعالم لم يشهد من قبل صراعًا بين قوتين عظميين ترتبطان اقتصاديًا بهذا الشكل المعقد، ولذلك لا توجد خبرة تاريخية كافية تسمح بالتنبؤ بنتائج أي تصعيد محتمل بينهما، ومن ثم فإن أخطر ما في الصراع الحالي ليس فقط التنافس المعروف، بل تلك المغلومات غير المعروفة التي قد تظهر فجأة وتدفع العالم إلى مسارات غير متوقعة.

وفي النهاية، يكشف مفهوم "Unknown Unknowns" أن العلاقات الدولية ليست علمًا دقيقًا يمكن التحكم في نتائجه بصورة كاملة، بل هي مجال مفتوح للمفاجآت والاحتمالات غير المحسوبة، ولذلك فإن قوة الدول في العصر الحديث لم تعد تُقاس فقط بحجم اقتصادها أو ترسانتها العسكرية، وإنما أيضًا بقدرتها على التعامل مع ما لا يمكن توقعه، فالعالم المعاصر لا تحكمه فقط الوقائع المعروفة، بل تحكمه بدرجة أكبر تلك الأشياء التي لا نعرف حتى أننا نجهلها.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز