البث المباشر الراديو 9090
الدكتورة سماء سليمان
لم تعد الحروب الحديثة تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات والأساطيل العسكرية، بل ظهرت ساحات جديدة للصراع ترتبط بالبنية التحتية الرقمية التي يعتمد عليها العالم بأسره.

ومن بين أخطر هذه الساحات، الكابلات البحرية التي تمتد في أعماق البحار والمحيطات، وتنقل أكثر من 95% من حركة الإنترنت والبيانات والاتصالات المالية العالمية، ولهذا أصبحت هذه الكابلات عنصرًا أساسيًا في معادلات القوة والردع بين الدول الكبرى، فيما بات يُعرف اليوم بـ “حرب الكابلات”.

وتنتشر الكابلات البحرية عبر أهم البحار والممرات الاستراتيجية في العالم، فالمحيط الأطلسي يربط أوروبا بأمريكا الشمالية، بينما يشكل المحيط الهادئ شريان الاتصال الرئيسي بين آسيا والولايات المتحدة.

كما يكتسب البحر الأحمر أهمية استثنائية لكونه حلقة الوصل الرقمية بين أوروبا وآسيا وإفريقيا عبر قناة السويس، وتوجد كذلك كابلات حيوية تمر عبر البحر المتوسط، والخليج العربي، وبحر العرب، والمحيط الهندي، وهي جميعًا مناطق تشهد تنافسًا جيوسياسيًا متزايدًا بين القوى الكبرى.

وتبرز منطقة البحر الأحمر بصورة خاصة باعتبارها أحد أهم مراكز الاتصال الرقمي في العالم، حيث تمر عبرها عشرات الكابلات الدولية التي تنقل البيانات بين الشرق والغرب.

ولذلك فإن أي اضطراب أمني في هذه المنطقة، سواء بسبب الصراعات الإقليمية أو الهجمات البحرية، قد ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي والاتصالات الدولية، وينطبق الأمر ذاته على مضيق ملقا في جنوب شرق آسيا، الذي يمثل ممرًا حيويًا للتجارة والبيانات بين الصين والعالم.

ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية في السنوات الأخيرة، زادت التهديدات المرتبطة باستهداف الكابلات البحرية باعتبارها وسيلة ضغط جيوسياسية فعالة.

فقد لوّحت إيران بإمكانية قطع كابلات الإنترنت أو فرض رسوم جمركية على مرورها في المناطق القريبة من نفوذها البحري، خاصة في الخليج العربي ومضيق هرمز.

وتدرك طهران أن الاقتصاد العالمي لم يعد يعتمد فقط على تدفق النفط والطاقة، بل أصبح يعتمد بالدرجة نفسها على تدفق البيانات والاتصالات الرقمية، ومن هنا، تحاول إيران توظيف موقعها الجغرافي كورقة ردع في مواجهة الولايات المتحدة والغرب.

وتنبع أهمية الخليج العربي ومضيق هرمز من كونهما ليسا مجرد ممرات لنقل النفط، بل أيضًا جزءًا من شبكة الاتصالات الدولية التي تربط آسيا بأوروبا.

ولذلك، فإن أي تهديد أمني في هذه المنطقة قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة في التجارة الإلكترونية والتحويلات المالية وشبكات الإنترنت العالمية، وهو ما يمنح الكابلات البحرية قيمة استراتيجية تضاهي قيمة خطوط الطاقة التقليدية.

وفي السياق نفسه، دخلت روسيا بدورها إلى معادلة “حرب الكابلات” عبر تهديدات مرتبطة بالكابلات البحرية الممتدة في بحر البلطيق وشمال أوروبا.

فمنذ تصاعد التوتر بين موسكو والغرب بعد الحرب الأوكرانية، ازدادت المخاوف الأوروبية من احتمال استهداف البنية التحتية البحرية، سواء خطوط الطاقة أو شبكات الاتصالات العابرة للبحار. ويُعد بحر البلطيق منطقة حيوية للأمن الأوروبي، إذ تمر عبره كابلات تربط دول شمال أوروبا ببعضها وبالاقتصاد العالمي، ما يجعل أي تعطيل فيها تهديدًا مباشرًا للاستقرار الاقتصادي والأمني الأوروبي.

وتكمن خطورة استهداف الكابلات البحرية في أن تأثيره لا يقتصر على انقطاع الإنترنت فحسب، بل يمتد إلى تعطيل قطاعات كاملة من الاقتصاد العالمي.

فالمصارف الدولية، وأسواق المال، وشركات التكنولوجيا، وأنظمة الملاحة والطيران، وحتى المؤسسات العسكرية، تعتمد جميعها على التدفق السريع والمستمر للبيانات عبر هذه الكابلات.

ولهذا فإن أي هجوم عليها قد يؤدي إلى شلل اقتصادي واسع، وتعطيل البورصات العالمية، وتأخير المعاملات البنكية، وإرباك شبكات الاتصالات الدولية خلال ساعات قليلة.

لقد أدركت القوى الكبرى أن السيطرة على البحار لم تعد مرتبطة فقط بحركة السفن والأساطيل العسكرية، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بالتحكم في تدفق المعلومات والبيانات.

فالكابلات البحرية تمثل اليوم الأعصاب الخفية للنظام الاقتصادي العالمي، وأي تهديد لها يمكن أن يتحول إلى سلاح استراتيجي بالغ التأثير في أوقات الأزمات والصراعات الدولية.

وفي ضوء هذا التحول، بدأ مفهوم الأمن الدولي يتغير بصورة واضحة، حيث لم تعد حماية الحدود البرية والبحرية كافية، بل أصبح تأمين البنية التحتية الرقمية جزءًا أساسيًا من الأمن القومي للدول.

ولهذا تعمل القوى الكبرى على تعزيز قدراتها البحرية والاستخباراتية لحماية الكابلات ومراقبة الممرات البحرية الحساسة، في وقت تسعى فيه بعض الدول إلى استخدام هذه الشبكات كورقة ضغط سياسية واستراتيجية.

ومع التوسع الهائل في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، تبدو “حرب الكابلات” مرشحة؛ لأن تصبح أحد أخطر أشكال الصراع في القرن الحادي والعشرين.

فالعالم اليوم يعيش مرحلة جديدة من التنافس الدولي، تتحول فيها أعماق البحار إلى ساحة مواجهة صامتة، قد لا تُسمع فيها أصوات المدافع، لكنها تمتلك القدرة على شل الاقتصاد العالمي وإرباك النظام الدولي بأكمله خلال لحظات.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز