أحمد محمود
والمفارقة هنا ليست في الأصل البلاغي للعبارة، بل في الحيرة المتجددة التي تلازمني حتى الآن حول كُنه هذا "الصندوق" الذي نُطالَب دومًا بالقفز خارجه. هل هو صندوق الأفكار والابتكار الذي ننشده لتطوير مجتمعاتنا، أم هو صندوق النقد بتوصياته المجهدة، أم هو صندوق "باندورا" الإغريقي الذي ما إن يُفتح حتى تتطاير منه الشرور والمتاعب؟!
لعل أكبر مثال يجسد هذه الحالة هو ما نشهده في مسألة قانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008، والتطبيقات الإدارية المتعلقة باتحادات الشاغلين، خاصة في المجتمعات العمرانية الجديدة؛ إذ بينما جاء هذا القانون لضبط العمران وتنظيم العلاقات بين الشركاء في السكن، نجد أن التطبيق الإداري والتنفيذي سمح لبعض – وربما لمعظم – اتحادات الشاغلين، وشركات إدارة التجمعات السكنية، بأن تبتكر آليات خارج إطار القانون نفسه، سمحت لأعضاء الجمعيات العمومية بابتداع قرارات تتجاوز صلاحياتهم وتصطدم بالدستور، وقد تأتي أجهزة المدن والوحدات المحلية لتعتمد تلك القرارات وتمنحها الصبغة التنفيذية الرسمية، دون مراجعة قانونية ودستورية سليمة.
وتكمن الخطورة في ابتداع هذه القرارات، والتعامل معها على أنها قرارات ملزمة وكأنها تشريعات، رغم أنها صدرت عن أفراد لا يحملون صفة التشريع، وهو ما سمح بأن تتحول إلى أدوات قد تؤدي إلى اعتداء صريح على حقوق المواطنين. ومن أبرز صورها، على سبيل المثال، فرض أعباء مالية جزافية، حين تقوم بعض اتحادات الشاغلين بفرض مبالغ مالية ضخمة تحت مسمى "جعل" أو "تطوير"، أو غرامة مثلًا، في حين تعتمد هذه الاتحادات قرارات تلك الجمعيات العمومية دون تقديم حسابات ختامية معتمدة، أو موازنات تقديرية وفق المادتين 85 و86 من القانون نفسه، بل تكتفي بتقديم قوائم مالية لا توضح أي شيء من تفاصيل الإنفاق، وهو ما يخالف مبدأ مشروعية الالتزامات المالية الذي يقضي بضرورة اقترانها بخدمات حقيقية ومثبتة. والأمثلة كثيرة، خاصة في كمبوندات المدن الجديدة.
ناهيك، عزيزي القارئ، عن الطريقة التي يتم بها إسناد تنفيذ الأعمال من جانب تلك الكيانات، والتي قد تفتقر أحيانًا إلى الضوابط التي يجب اتباعها لحماية المال "الخاص"، الذي لا يخضع لرقابة الدولة، بحكم طبيعته، كونه مال أفراد وليس مال مؤسسات حكومية، وهو ما قد يفتح الباب أمام الكثير من أساليب التربح وتسهيل التربح، دون رقيب يحمي هذا المال الخاص من الاعتداء.
وهناك أيضًا حالات من الانتهاك الصارخ لحق الملكية الشائعة؛ إذ تتخذ بعض اتحادات الشاغلين قرارات بالأغلبية العددية لتخصيص أو غلق منافع مشتركة، كالأسطح أو الجراجات أو الحدائق العامة، لحساب أفراد بعينهم، أو منع مالك من استخدام المصعد أو الجراج بالعقار لعدم سداد مبالغ محل نزاع، وهو اعتداء مباشر على المادة الدستورية التي تحمي الملكية الخاصة، وتمنع حرمان المالك من الانتفاع بأجزاء ملكه المشاع إلا بحكم قضائي.
وقد يحدث أيضًا أن تتخذ بعض اتحادات الشاغلين قرارًا بحرمان بعض الملاك من حقوقهم الانتخابية عند عقد الاجتماعات، التي قد تتم دون إخطار جميع الملاك بالمواعيد القانونية، أو السماح باستخدام "توكيلات عرفية غير موثقة"، مما قد يؤدي إلى تمرير الانتخابات واحتكار قرارات إدارة الاتحاد من قبل أفراد بعينهم، بما يهدر مبدأ المساواة وحق المواطن في إدارة وتحديد مصير ممتلكاته.
وهناك أيضًا مشكلة تتعلق بالافتئات على عقود الملكية، ووضع قيود سكنية، منها، على سبيل المثال، إقدام بعض اتحادات الشاغلين – خاصة في المجمعات السكنية "الكمبوندات" – على تعديل اللوائح الداخلية لفرض قيود على حرية التصرف العقاري، مثل منع المالك من تأجير أو بيع وحدته إلا بموافقة الاتحاد، متجاوزين بذلك المبادئ المستقرة لعقود الملكية، بل وأحكام محاكم القضاء الإداري التي أبطلت حظر تصرف المالك في عقاره السكني.
والحقيقة أن اجتماعات الجمعيات العمومية نادرًا ما يكتمل النصاب فيها من أول اجتماع، مما قد يؤدي إلى انعقاد الاجتماع صحيحًا بأي عدد، كما ينص قانون البناء الموحد، وهو ما يسمح بإضفاء الشرعية على وضع قد يكون باطلًا إذا لم يتجاوز الحضور 5% من عدد الشاغلين أعضاء الجمعية العمومية، بما قد يؤدي إلى اعتماد أجهزة المدن أو الأحياء لاتحادات شاغلين في عقارات غير مستوفية للنصاب القانوني وفق المادة 72 من اللائحة التنفيذية للقانون 119، أو في مبانٍ مخالفة للتراخيص، وهي مسائل تستوجب التحقيق.
وتتناسى اتحادات الشاغلين أيضًا، حين تتجاوز صلاحياتها الممنوحة لها بموجب قانون البناء الموحد، أن الحق في الملكية الخاصة، والحق في السكن الآمن، ومبدأ عدم رجعية القرارات الإدارية التنظيمية على الماضي، هي ثوابت دستورية أصيلة لا تملك أي جمعية عمومية – مهما بلغت أغلبيتها العددية – أن تمسها أو تنتقص منها تحت شعار "الحلول العرفية" أو "الاجتهاد التنفيذي".
والحقيقة أيضًا أن التفكير خارج الصندوق ينبغي أن يكون في كيفية تحسين الخدمات، وتسريع المعاملات البيروقراطية، وإيجاد آليات تمويل مبتكرة، وليس في اختراع قيود جديدة على حركة المواطنين وممتلكاتهم؛ لأنه حين يتحول هذا الشعار إلى خروج على مبدأ سيادة القانون، تصبح النتيجة المباشرة حالة من عدم اليقين، وشيوع المنازعات التي تكتظ بها أروقة القضاء الإداري والمدني، وهي حالات تنذر بخطر مجتمعي شديد.
وأخيرًا، فإنني أعتقد أننا بحاجة ماسة إلى العودة للتفكير داخل صندوق القانون أولًا، واحترام نصوصه وآلياته، قبل أن ننادي بالقفز خارجه؛ فالصندوق القانوني صُمم ليكون درعًا حاميًا للمواطن من الممارسات الارتجالية، وضامنًا للعدالة والمساواة. وأعتقد أنه قد آن الأوان لأن تقوم أجهزة المحليات بدورها، وأن تضع إدارة اتحادات الشاغلين بهيئة المجتمعات العمرانية لائحة "نموذجية" تضمن الالتزام بالقانون وعدم الاعتداء على حقوق الملاك، وأن يتم تعميمها على جميع أجهزة المدن والأحياء بالمحافظات المختلفة، ضمانًا لعدم الارتجال في تلك اللوائح.