د. حنان عبد الحميد
جاءت مُحاكمات خاركوف في خضم الحرب العالمية الثانية، عقب استعادة القوات السوفيتية المدينة من الاحتلال الألماني، لتصبح من أوائل المحاكمات العلنية التي جرت لمحاسبة أفراد عن جرائم ارتُكبت أثناء الحرب. ولم تكن أهميتها في عدد المتهمين أو طبيعة الأحكام الصادرة، بقدر ما تمثلت في ترسيخ مبدأ قانوني بالغ الأهمية، مفاده أن تنفيذ الأوامر العسكرية لا يعفي مرتكب الجريمة من المسؤولية الجنائية.
ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية، انتقلت هذه المبادئ إلى مرحلة أكثر رسوخًا من خلال محاكمات نورمبرغ، التي أرست مجموعة من المبادئ الأساسية للقانون الجنائي الدولي، وكرست مسؤولية الأفراد عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بعيدًا عن فكرة الحصانة المطلقة التي طالما أحاطت بالقادة العسكريين والسياسيين.
ولم يكن هذا التحول مجرد تطور إجرائي في أساليب المحاكمة، وإنما كان تغييرًا جوهريًا في مفهوم المسؤولية داخل القانون الدولي. فبعد أن كانت الدول هي الطرف الأساسي في العلاقات والمسؤوليات الدولية، أصبح الفرد نفسه محل مساءلة جنائية عن أفعاله، سواء كان قائدًا عسكريًا أو رئيس دولة أو مسؤولًا مدنيًا، متى ثبتت مسؤوليته عن ارتكاب جريمة دولية.
وبذلك انتقلت العدالة الدولية تدريجيًا من مساءلة الدول على المستوى السياسي إلى محاسبة الأشخاص بصورة جنائية، وهو تحول شكل أحد أهم المنعطفات في تاريخ القانون الدولي، ورسخ مبدأ أن المنصب أو الرتبة العسكرية لا يمكن أن يكونا حصانة تلقائية أمام الجرائم الدولية.
ثم جاءت محاكمات طوكيو، وبعدها المحاكم الجنائية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة ورواندا، لتواصل عملية تطوير هذا البناء القانوني، وتؤكد مبادئ أساسية، من بينها عدم سقوط جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بالتقادم، وعدم الاعتداد بالصفة الرسمية باعتبارها سببًا للإفلات من المسؤولية، وعدم اعتبار تنفيذ الأوامر العسكرية ذريعة مطلقة للإعفاء من العقاب.
ومع تطور القانون الدولي، بدأت العدالة الجنائية تنتقل من نموذج المحاكم الاستثنائية التي تنشأ عقب اندلاع النزاعات أو انتهائها إلى نموذج القضاء الجنائي الدولي الدائم. وتوج هذا المسار باعتماد نظام روما الأساسي عام 1998، ودخوله حيز النفاذ عام 2002، لتنشأ المحكمة الجنائية الدولية بوصفها أول محكمة جنائية دولية دائمة.
وأصبحت المحكمة مختصة بالنظر في أخطر الجرائم التي تثير قلق المجتمع الدولي، وفي مقدمتها جريمة الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجريمة العدوان، وفق إطار قانوني دولي موحد.
وبهذا التطور، لم تعد فكرة العدالة الجنائية الدولية مرتبطة بالضرورة بانتهاء الحرب أو بقرار القوى المنتصرة بإنشاء محكمة لمحاكمة خصومها، وإنما أصبحت تستند إلى مؤسسة قضائية دائمة، تسعى إلى تحقيق المساءلة عن أخطر الجرائم الدولية وفق قواعد وإجراءات محددة.
واليوم تعود خاركيف إلى واجهة الأحداث، ولكن في سياق مختلف تمامًا. فبدلًا من المحاكمات الاستثنائية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، أصبحت التحقيقات المتعلقة بالجرائم الدولية المرتكبة في سياق النزاع في أوكرانيا جزءًا من منظومة أوسع تضم المحكمة الجنائية الدولية إلى جانب القضاء الوطني الأوكراني، في انعكاس واضح للتطور الذي شهده نظام العدالة الجنائية الدولية خلال العقود الماضية.
لكن هذا التطور لم يضع حدًا للتحديات التي تواجه العدالة الدولية. فوجود النصوص القانونية والمؤسسات القضائية لا يعني بالضرورة القدرة على تنفيذ الأحكام أو أوامر القبض. إذ تظل قدرة المحكمة على أداء دورها مرتبطة بدرجة كبيرة بتعاون الدول، وقدرتها على الوصول إلى المتهمين والأدلة، فضلًا عن التوازنات السياسية التي تحيط بالعديد من النزاعات الدولية.
وهنا يظهر أحد أبرز التحديات التي تواجه العدالة الجنائية الدولية: الفجوة بين القانون والتطبيق. فالقواعد القانونية قد تكون واضحة، والجرائم موثقة، وأوامر القبض صادرة، لكن تنفيذها يظل في كثير من الحالات رهينًا بتعاون الدول وإرادتها السياسية.
وقد كشفت النزاعات الدولية المعاصرة أن العدالة الجنائية الدولية لا تواجه اختبارًا قانونيًا فحسب، وإنما تواجه أيضًا اختبارًا سياسيًا مستمرًا. فكلما ارتبطت التحقيقات بأطراف تمتلك نفوذًا سياسيًا أو عسكريًا ودوليًا كبيرًا، ازدادت صعوبة تنفيذ القرارات القضائية، وبرز التفاوت بين قوة النص القانوني وقدرة المؤسسات الدولية على إنفاذه.
وقد انعكس ذلك على صورة العدالة الدولية أمام الرأي العام العالمي، إذ لا تكفي شرعية المحكمة أو سلامة إجراءاتها لإقناع الشعوب بفاعلية النظام الدولي، ما لم يروا القانون يُطبق بصورة متساوية على مختلف الأطراف، بعيدًا عن ازدواجية المعايير.
ومع ذلك، فإن مسيرة العدالة الجنائية الدولية تظل واحدة من أبرز التحولات التي شهدها القانون الدولي الحديث. فمن محاكمات محدودة فرضتها ظروف الحروب، إلى محاكم جنائية دولية مؤقتة، وصولًا إلى مؤسسة قضائية دائمة في لاهاي، تطور مفهوم المساءلة واتسع نطاق المسؤولية الجنائية الفردية عن الجرائم التي تمس الإنسانية جمعاء.
وبين خاركوف ولاهاي، لم يتغير جوهر العدالة، وإنما تطورت أدواتها ومؤسساتها واتسع نطاقها. فقد أصبح القانون الدولي أكثر قدرة على ملاحقة الجرائم الدولية، وأصبح الفرد، مهما علا منصبه أو رتبته، جزءًا من منظومة المسؤولية الجنائية الدولية.
لكن التحدي الأكبر لا يزال قائمًا: كيف يمكن تحويل المبادئ القانونية إلى واقع عملي لا يخضع للانتقائية أو موازين القوة؟ فالعدالة لا تكتمل بإنشاء المحاكم، ولا بإصدار النصوص والأحكام، وإنما تكتمل عندما يصبح القانون قادرًا على الوصول إلى كل من ارتكب جريمة بحق الإنسانية، دون تمييز أو انتقائية، ودون أن يتحول النفوذ السياسي إلى حاجز يحول دون تحقيق المساءلة.
ومن خاركوف إلى لاهاي، قطعت العدالة الجنائية الدولية طريقًا طويلًا؛ طريقًا بدأ بفكرة أن جرائم الحرب لا ينبغي أن تمر بلا عقاب، وانتهى إلى بناء منظومة قانونية عالمية تجعل مساءلة الأفراد عن أخطر الجرائم مبدأً راسخًا. ويبقى نجاح هذه المنظومة في المستقبل مرهونًا بقدرتها على إثبات أن القانون الدولي ليس مجرد قواعد مكتوبة، وإنما التزام قابل للتنفيذ على الجميع.