البث المباشر الراديو 9090
د. مصطفى النقيب
المدرسة ليست مؤسسة لتقديم المعرفة فقط، بل هي مؤسسة لبناء الإنسان وإعداده للحياة وصناعة المستقبل؛ ومن ثم فإن أي خلل في المنظومة التعليمية يمتد أثره إلى السلوك والقيم والإنتاجية والتنمية والحضارة.

يُمكن النظر إلى تحديات العملية التعليمية من خلال مدى التناغم بين عناصر المنظومة التعليمية المختلفة، وفي مقدمتها:

1. الإدارة والحوكمة:

تتمثل أبرز التحديات في المركزية، وضعف المساءلة، وغياب مؤشرات الأداء، والبيروقراطية، وضعف الإدارة المدرسية، بما يؤدي إلى تعطيل الابتكار وإضعاف المسؤولية المؤسسية.

2. التخطيط:

غياب التخطيط طويل المدى، وتغير السياسات بتغير القيادات، وضعف الربط بين الأهداف التعليمية واحتياجات المستقبل، وبالتالي تخريج أجيال لا تتوافق قدراتها مع متطلبات التنمية.

3. تعدد نظم التعليم:

قد يؤدي تعدد المسارات والمناهج والمعايير إلى تفاوت غير مبرر في جودة المخرجات، وصعوبة بناء رؤية وطنية مشتركة.

4. المناهج:

التركيز على المعرفة والمعلومات والحفظ، مقابل ضعف الاهتمام بالمهارات والقيم والتفكير النقدي؛ فيصبح لدى الطالب معلومات للامتحان، لكنه قد لا يمتلك القدرة على التحليل أو التطبيق.

5. طرق التدريس:

استمرار التدريس بالنمط التقليدي، وضعف التعلم النشط والتفاعلي وحل المشكلات، بما يحد من الإبداع والاستقلالية والقدرة على التعلم المستمر.

6. التقييم والامتحانات:

عدم تنوع الأسئلة بما يكفي لقياس قدرات الطالب، والتركيز على الإجابة النموذجية والحفظ، إلى جانب الاعتماد على الاختبار النهائي، وخاصة في الشهادات، وعدم تفعيل التقييم المستمر؛ وهو ما يؤدي إلى تحويل التعليم إلى سباق للحصول على الدرجات، بدلًا من بناء القدرات.

7. المعلم:

يمثل اختيار المعلم المناسب، وتفاوت مستوى إعداده وتدريبه، والأعباء الإدارية، وضعف الحوافز، ومحدودية التطوير وبناء القدرات، تحديات تؤثر في العملية التعليمية؛ إذ يصعب بناء شخصية الطالب إذا لم يكن المعلم نفسه نموذجًا للتعلم والقيم.

8. الانضباط والسلوك:

يتمثل التحدي في التعامل مع السلوك باعتباره عقوبة فقط، بدلًا من النظر إليه باعتباره جزءًا من التربية والمسؤولية والتعايش في بيئة إيجابية.

9. القيم:

انفصال القيم النظرية عن الممارسة اليومية، ووجود فجوة بين ما يتعلمه الطالب وما يراه في الواقع.

10. الأنشطة:

اعتبار الأنشطة الرياضية والفنية والثقافية أمرًا ثانويًا أو ترفيهيًا يؤدي إلى فقدان مساحة مهمة لاكتشاف المواهب، وتنمية القيادة، وتعزيز العمل الجماعي.

11. التكنولوجيا:

استخدام التكنولوجيا كأداة فقط، بدلًا من توظيفها كوسيلة لتطوير التعلم والتفكير وتيسير التقييم.

12. الأسرة:

ضعف التواصل بين المدرسة والأسرة عن طريق مجالس الآباء، وما قد يترتب على ذلك من اضطراب في منظومة القيم والسلوك لدى الطفل نتيجة ما يراه من تفاوت بين المدرسة والأسرة.

13. المجتمع والإعلام:

قد تتعارض بعض النماذج الاجتماعية والفنية والإعلامية، كما في بعض العروض الفنية، مع ما تقدمه المدرسة من قيم وسلوك وأسلوب في التعامل، مما يؤدي إلى إضعاف التأثير التربوي للمدرسة.

14. الاقتصاد وسوق العمل:

ضعف الربط بين التعليم والمهارات المطلوبة مستقبلًا، وزيادة الفجوة بين التعليم والإنتاج.

15. البنية التحتية:

ارتفاع الكثافات، وتفاوت الإمكانات، وضعف بعض التجهيزات، بما يؤدي إلى تفاوت فرص التعلم وجودته.

16. الثقافة المجتمعية:

اختزال الهدف العام في النجاح من خلال الحصول على الشهادة والدرجات فقط، مع تراجع قيمة المهارة والإبداع والعمل والإنتاج.

إذا كان الهدف هو بناء إنسان قادر على التفكير، والتعلم المستمر، والعمل، والإبداع، وتحمل المسؤولية، واحترام القانون، والتعايش مع الآخرين، والمشاركة في بناء المجتمع، فإن المدرسة يجب أن تعيد بناء منظومتها بالكامل حول هذا الهدف.

من «مدرسة التعليم والشهادات» إلى «مدرسة التعلم وبناء الإنسان»

يمكن تصور هذا التحول في ستة مستويات: المعرفة، والتفكير، والسلوك والقيم، وبناء الشخصية، وصقل المهارة وتطويرها، ثم الإنتاج.

فالمنظومة المدرسية الناجحة تساعد الطالب على أن يفكر ويحلل وينقد، ويميز بين الصواب والخطأ، ويتحمل المسؤولية، ويحترم الوقت والنظام والقانون، ويعمل مع الآخرين كفريق عمل واحد، ويتعامل مع الاختلاف دون ضغائن، ويستخدم التكنولوجيا بصورة منتجة، ويتعلم ذاتيًا بصورة مستمرة، ويحول المعرفة إلى مهارة، ثم يحول المهارة في النهاية إلى قيمة وإنتاج وابتكار.

تحدي تعدد نظم التعليم

يظهر الخطر عندما يتحول التعدد إلى تعدد في فلسفة بناء الإنسان، وتفاوت كبير في جودة التعليم والمعايير والقيم والفرص.

والأفضل هو التنوع في المسارات، مع وحدة في المعايير الوطنية الأساسية لبناء الإنسان. أي أن تختلف المدارس في أساليبها وبرامجها ومساراتها، لكن يجب أن تتفق جميعًا على حد أدنى وطني من القيم والسلوك، والمواطنة والهوية، والتفكير الإيجابي، واللغة، والعلوم، والثقافة الرقمية، والمهارات الحياتية، والصحة، والمسؤولية المجتمعية.

تحدي التقييم.. أخطر نقطة في المنظومة

إصلاح التقييم قد يكون مدخلًا رئيسيًا لإصلاح التعليم كله.

وينبغي أن ينتقل التقييم تدريجيًا من سؤال: «ماذا حفظ الطالب؟» إلى أسئلة أكثر عمقًا: «ماذا فهم؟ ماذا يستطيع أن يفعل؟ كيف يفكر؟ كيف يحل المشكلة؟ كيف يعمل مع الآخرين؟ وكيف يوظف معرفته؟».

وذلك مع الحفاظ على التقييم الأكاديمي الموضوعي، وإضافة أدوات مثل المشروعات، وحل المشكلات، والعروض، وملفات الإنجاز، والتقييم العملي، والتقييم المستمر.

المعلم هو نقطة التحول

لا يمكن أن نطلب من المدرسة بناء طالب مفكر ومبدع ومستقل وقادر على التعلم مدى الحياة، بينما يكون المعلم نفسه محصورًا في تنفيذ كتاب مدرسي وتعليمات إدارية.

لذلك يجب أن ينتقل المعلم من ناقل للمعلومة إلى ميسر للتعلم، ومربٍ للشخصية، ومكتشف للمواهب، وقدوة سلوكية، وقائد للتعلم.

وهنا يصبح اختيار المعلم وإعداده وتأهيله المستمر أحد أهم الاستثمارات الوطنية.

فإن إصلاح المدرسة يجب ألا ينطلق من سؤال: كيف نرفع درجات الطلاب؟ وإنما من سؤال أكثر عمقًا: كيف نبني إنسانًا واعيًا، مفكرًا، مسؤولًا، منتجًا، قادرًا على التعلم المستمر، ومؤهلًا للمشاركة في بناء مجتمع متقدم وحضارة مستدامة؟

نموذج متكامل لبناء الإنسان

الأسرة، المدرسة، المعلم، المناهج، القيم والسلوك، المهارات، التفكير والإبداع، العمل والإنتاج، المواطنة، التنمية، الحضارة.

والحل الحقيقي هو إعادة هندسة المنظومة التعليمية باعتبارها منظومة لبناء الإنسان.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز